ليست هي عدالة الأرض. فأين أرضنا وأين العدالة!!! وقد أبدع جبران في وصفه لعدالة أرضنا فأنشد: 

 "والعدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا      به ويستضحك الأموات لو نظروا"

وأجمل قائلا: "إن عدل الناس ثلج إن رأته الشمس ذاب".

إن أرضنا ارض اللاعدالة، ارض بأغلبيتها يحتل فيها الظلم مكان العدل. فالدول الغنية تزداد غنى فاحشا وتنعما على حساب الدول الفقيرة، والدول الفقيرة تزداد فقرا موحشا لكي يتعظم أغنياؤها.

قصة اللاعدالة في أرضنا ليست جديدة، فهي قدم آدم الذي عصي الله بعد أن وهبه الحياة ومتَّعَه بكل خيراتها وسلطه على كل ممتلكاتها. وتلاه قايين الذي لم تسعه ارض الله التي بلا حدود فضاق قلبه عن احتمال أخيه، فجعل دم أخيه الصارخ شرابا للأرض.

والقصة تعود وتتكرر، ومع مرور الأجيال تتلون، ولكنها في الحقيقة قصة اللاعدالة ذاتها، وقد بانت في منتهى حقارتها، عندما حكم على رب المجد، يسوع المسيح، بالموت صلبا. إنها لا عدالة الأرض بأوج وحشيتها وبطشها. فقد حكم على البار، الذي بكّت البشرية على خطاياها ورفع صوته قائلا: "من منكم يبكتني على خطية؟!" ولم يستطع احد إن يشير إليه بإصبع الاتهام إذ انه لم يفعل خطية ولا شبه شر ولم يكن فيه غش. ومع ذلك حكم رئيس الكهنة على يسوع زورا وبهتانا. فرئيس الكهنة هو المسؤول الأول والأخير عن شرطة الهيكل التي أمسكت يسوع، وهو نفسه المدعي على يسوع، وهو بذاته من طلب شهود زور ليشهدوا على يسوع (ولم يجد)، وهو ذات الشخص الذي اصدر الحكم، حكم الموت "الشرعي" على يسوع لأن يسوع تكلم بالحق وأعلن ذاته انه "المسيح ابن الله ... الجالس عن يمين القوة" (متى 26: 63 و64).

كما أن مجد السلطة الرومانية وما تشبعته من عظمة الفلسفة اليونانية شوهت العدالة وأسقطتها قتيلة على مذبح إرضاء رغبات رؤساء الكهنة والشيوخ وذلك حفظا للسكوت السياسي ولكرسي العرش، وهكذا اصدر بيلاطس الوالي الروماني قراره بجلد وصلب يسوع بعد أن غسل يديه قدام الجمع وأعلن ما توصل إليه في بحثه عن الحق في حقيقة تهمة رؤساء الكهنة ليسوع فأعلن: "إني بريء من دم هذا البار" (متى 27: 24).
 
فصح العدالة ... ليست هي عدالة الأرض، فعظمة التديّن اليهودي ومجد سلطة الإمبراطورية الرومانية بما تشبعته من عمق الفلسفة اليونانية لم تصنع العدل ولم تحفظه بل ضحت به على مذبح الحق مع القوي والحكم والدينونة للضعيف، وهكذا أثبتت البشرية أن عدالتها هي الظلم في أحلك سواده مغلفا بالقسوة والوحشية.

فصح العدالة ... هي عدالة السماء، ففي يسوع المسيح النعمة والحق صارا (يوحنا1: 17)، فقد أتى الرب المبارك لأجل البشرية الساقطة، الفقيرة والضعيفة. ويقول في ذلك الرسول بولس "فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح انه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا انتم بفقره." (2 كورنثوس 8: 9). فهو لم يأت لِيُخدم بل لِيَخدم، لم يأت ليهلك بل ليخلص. فهو كلمة الله المتجسد، أخلى ذاته من كل أمجاد وغنى السماء، "آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله وأعطاه اسما فوق كل اسم. لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض. ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب." (فيلبي 2: 5 -11).

لقد حكمت الأرض بالموت ظلما على يسوع، أما هو، وهو رب السماء، رب المحبة والعدل، فقد أتى من سماء مجده ليتمم عدالة الآب ويعلن محبته للبشر، وهكذا قدم ذاته على الصليب بكامل إرادته ليدفع أجرة خطايانا، فعدالة الله تعلن "أجرة الخطية هي موت" ومحبته تنادي "هبة الله حيوة أبدية" (رومية 6: 23)، وهكذا قدم الذي لم يعرف خطية نفسه كفارة لخطايانا لنصير نحن بر الله فيه (2 كورنثوس 5: 21). على الصليب التقت عدالة الله ومحبته لتعلن "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحيوة الأبدية" (يوحنا 3: 16).

فصح العدالة... ليست هي عدالة الأرض. فأين أرضنا من العدالة!!! فالقوي يمتص بقية قوة الضعفاء، والغني يتوّحش في غناه على حساب فقر الفقراء، والمجد والكرامة لمن له، والذلّ والهوان لمن ليس له.

فصح العدالة... هي عدالة السماء، فرب سماء المجد والجلال، الذي سماء السماوات لا تسعه، والأرض ليست بكافية لموطئ قدميه، تنازل وتواضع وولد في مذود حقير. رب الغنى والعظمة افتقر لكي يغنينا. حمل الله الوديع الذي بلا خطية حمل دينونة خطايانا ونزل إلى موت الصليب لكي يرفعنا ويجعلنا من أشراف شعبه، فننال بالإيمان بعمله الكفاري على الصليب الحياة الأبدية، حياة فيها يسود العدل الحقيقي ويملأ الأجواء كالهواء.

فصح العدالة ... هي عدالة السماء الملتفة بالمحبة للبشرية والتي تعلن :"اطلبوا الرب ما دام يوجد ادعوه وهو قريب، ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره وليتب إلى الرب فيرحمه والى إلهنا لأنه يكثر الغفران. لأن أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقي طرقكم يقول الرب. لأنه كما علت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم" (اشعياء 55: 6 - 9).

فهنيئا لنا بفصح المحبة والعدالة

"فالمسيح فصحنا ذبح لأجلنا"

لذلك لنعيد، ففصحنا هو رب القيامة والحياة وقد فتح لنا باب الحياة الأبدية فلنعش حياة الأعياد. وكل عيد وانتم بخير.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا