بيت لحم- تقرير معا- توتّر علني بالعلاقة بين أقطاب معادلة الأراضي والأملاك، في مدينة القدس، برز إلى السطح من جديد، مع الإعلان عن صفقة جديدة، تتعلّق بالخلاف على تأجير طويل الأمد لقطعة أرض تابعة للبطريركيّة الأرثوذكسيّة بالقدس، على الطريق الواصل بين مدينتي القدس وبيت لحم... بمساحة واحدٍ وسبعين دونما، سيتمّ تحويلها من أراضٍ خضراء، لمناطق تقام عليها مشاريع سكنيّة، تكون للبطريركية منها حصّة، تبلغ مائة شقّة سكنية، فقط، من مجمل المشروع.

هذه القضيّة ستطرح كملفّ رئيسيّ، ضمن حلقات برنامج الأسئلة الصعبة، الذي يقدّمه الأستاذ ناصر اللحام، ويعرض على شاشات شبكة "معا" التلفزيونية، وقناة فلسطين الفضائية خلال الأيام القادمة.

مروان الطوباسي، رئيس مجلس المؤسسات العربية الأرثوذكسية في فلسطين يوكّد أنه تم الإعلان عن هذه الصفقة، التي تمّ بموجبها تأجير نحو واحدٍ وسبعين دونما، على طريق القدس- بيت لحم، وهي منطقة تربط تلبيوت، أو بيت صفافا، بمار الياس.. ويضيف الطوباسي أنه جرى نفس الموضوع في جبل أبو غنيم، وفي فترات ماضية، كان قد تمّ التأجير لقطع أراض لمدّة تسع وتسعين عاما.

البطريركية بدورها، نفت حدوث صفقة تسريب أو تأجير للأراضي في عهد البطريرك الحالي، ثيوفيلوس الثالث.. وأوضحت من جانبها، أن الصفقة الأخيرة التي أعلن عنها، كانت قد تمّت في عهد البطريرك السابق المخلوع، إيرينيوس، وأحد أبرز أعوانه اليونان، وهو ما اكتشفته البطريركية مؤخرا، وبناء عليه، قامت بعقد صفقة جديدة مع شركة (تلبيوت الجديدة) اليهودية، وبرفع دعوى قضائية، ضدّ شركة ( بارا ) اليهودية، التي حصلت على الصفقة الأولى، من البطريرك السابق.

الأب عيسى مصلح، المتحدّث الرسمي باسم البطريركية الأرثوذكسية بالقدس يرى أنه ومنذ أن اعتلى البطريرك ثيوفيلوس الثالث، السدّة الأورشليمية، بدأ يعمل بجدّ، للمحافظة على أملاك البطريركية، وأضاف أن البطريرك (ثيوفيلوس) قد تحدّث في تصريحات علنيّة، في الداخل والخارج، أن البطريركية هي روحيّة، وليست للعقارات.

وأضاف أن البطريركية قد فوجئت بأن البطريرك المعزول أعطى وكالة عامة للبابا ( ديموس)، المعروف لدى الجميع، فهو من كان المسؤول عن صفقة باب الخليل، فقد أعطاه البطريرك المخلوع وكالة عامة، لجميع أملاك البطريركية، في حدود ثمانية وأربعين، وسبعة وستين، وحتى داخل القدس القديمة، وهذا واضح وموثّق عبر الأوراق الموجودة بين أيدي السلطة الفلسطينية، والأردن.

تاريخ صفقات البيع أو التأجير، لأراضٍ تابعة للبطريركية الأرثوذكسية في القدس، كان حافلا في الماضي، بعمليات التأجير طويل الأمد، أو التسريب أو البيع... إلا أن الواقع العام، في سيطرة البطاركة اليونان، على سدّة الحكم في البطريركية، منذ العام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين، يشير إلى تقليص الدور العربي في الكنيسة، وهو ما فتح المجال واسعا، أمام بعض الجهات، التي قد لا تكترث بعروبة المدينة المقدّسة، ما دفع البعض لاعتباره جزءا من الإستعمار الديني.

ويشير مروان الطوباسي أنها ليست المرّة الأولى، ولا الثانية، ولا الرابعة، بل أصبحت المسألة دارجة في عقليّة البطريركيّة، ويضيف الطوباسي أن العقليّة السائدة لدى الرئاسة الروحيّة في بطريركيّة الروم الأرثوذكس، هي استعداء الحقوق المشروعة للعرب الأرثوذكس في كنيستهم.

وكما يرى، فإن هذا شكل من أشكال الإستعمار الديني الذي يعاني منه العرب الأرثوذكس منذ خمسمائة عام، لكن القضيّة معقّدة كما يرى، وتحتاج لأوقات طويلة للحديث عن كيفية وصول الرهبان اليونان، لسدّة البطريركية الأرثوذكسية، بعد أن تخلّصوا من البطاركة والمطارنة العرب عام ألف وخمسمائة وأربعة وثلاثين، في العهد العثماني.

القضيّة المطروحة على الجانب الرسميّ، كانت لها سلبياتها، إذا ما علمنا بتعقيدات الوضع الخاص في مدينة القدس... فتوالت الإجتماعات المتابعة للموضوع، لتكون النتيجة حتى الآن، أقرب إلى الضبابيّة منها إلى الوضوح... سيّما، وأن الجهات الرسميّة الفلسطينية، تمنح الجهات الدينية، خصوصيّة وامتيازات، ترى أنه يجب التعامل معه بحذر شديد.

عدنان الحسيني، محافظ مدينة القدس يقول إن هناك آراء قدّمت للكنيسة من الجالية الأرثوذكسية، ووعدت الكنيسة بالقيام ببعض الترتيبات، التي تساعد على أن تكون الأمور أكثر شموليّة.

ويضيف الحسيني: بالنسبة لنا كجهة رسميّة، لا نتدخّل بالجهات الدينية، فالكنيسة لها نظامها الخاص، وأصولها، وترتيباتها، ونحن كجهة رسمية يضيف الحسني، ندعم الكنيسة في الحفاظ على مقدّراتها، وإذا كان لدينا وجهة نظر بموضوع معيّن، نقدّمه بشكل أخويّ، وبمسؤوليّة حتى لا يكون هناك ضرر، لأنه عندما نحافظ على أملاك بطريركية الروم، نحافظ على جزء كبير من مدينة القدس.

البطريرك السابق إذا، يحمل وزر هذه الصفقة، المجحفة إذا صحّ التعبير، للكنيسة والرعيّة الأرثوذكسية، وللمواطن الفلسطيني ومدينة القدس، التي لا يختلف إثنان، على أنها تتعرّض يوميا للتهويد... إلا أن الإعتقاد السائد في إدخال شركة إسرائيلية أخرى في المنافسة على الإستثمار في الأرض، وهي شركة تلبيوت اليهوديّة، أعطى تلك الشركة، الحقّ في استغلال الأرض في الأعوام المئة القادمة، وهو ما لم توَفّق فيه البطريركية، بحسب المتابعين
الأب عيسى مصلح، يقول إن البطريركية فوجئت بهذا التفويض، الذي أعطاه إيرينيوس المعزول، ودخلت البطريركية في معركة مع شركة (بارا) الإسرائيلية، من أجل إخراجها من هذه الصفقة، ويؤكّد مصلح، أن البطريركية دخلت في محاكم، واستطاعت أن نتغلّب على الأمر، وذلك لدخول شركة (تلبيوت الجديدة)، من أجل تحويل هذه الأرض من أرض خضراء، إلى أرض قابلة للبناء.

ويشير مصلح إلى أن البطريركية ستحصل على مئة سكنة- شقّة، للمسيحيين المقدسيين من مجمل المشروع، الذين هم كما يرى بحاجة ماسّة للأراضي، ويعانون الكثير في ظل الظروف الصعبة التي يفرضها الإحتلال الإسرائيلي على القدس، وتهويدها.

ويقول مصلح: إن البطريركية دخلت بمعركة بين شركة (بارا) والبطريركية، في الوقت الذي توجهت فيه الشركة لسلطة الأراضي الإسرائيلية، لتسجيل حوالي خمسمائة دونم، بعد أن قامت البطريركية بهذه الخطوة، من أجل تذليل هذا التفويض الذي أعطاه المخلوع إيرينيوس/ لبابا ديموس، واسترجاع ما يمكن استرجاعه من الأرض، كما يقول.

مجلس المؤسسات الأرثوذكسية العربية في فلسطين، يرى أن مبرّر البطريركية في أن تأجير الأرض لشركة تلبيوت اليهودية، هو للحفاظ على تلك الأرض من المصادرة، إنما يشكّل خرقا في المحافظة على الممتلكات، وهو ما قد يفتح الباب واسعا، أمام موضوع تأجير الأراضي للشركات اليهوديّة، بحجّة المحافظة على تلك الأرض... والأمر بالطبع، ينطبق على كل الأراضي الفلسطينية.

ويشير مروان الطوباسي، أن البطريركية تقول بأن الصفقة هي لحماية الأرض، وعدم مصادرتها، بينما لم تكن الأرض بموقع مصادرة من قبل الحكومة الإسرائيلية، وحتى ولو كان ذلك، يقول الطوباسي، ليس مبرّرا من أجل حماية الأرض من المصادرة، أن نقوم بتأجيرها لشركات يهودية، وإلا لكان من المفترض أن نقوم بتأجير كل الوطن لشركات إسرائيلية، خوفا من المصادرة.

ويرى الطوباسي، بأن المطلوب هو حماية الأرض من المصادرة، والحفاظ عليها، والتوجّه للمحاكم الدولية أولا، ولأبناء الشعب الفلسطيني لمواجهة سياسة الإستيطان والمصادرة للأراضي ثانيا.

أملاك البطريركيّة في القدس، كانت وما زالت محطّ اهتمام المؤسسات اليهوديّة على اختلافها، لحجم تلك الأملاك، من أراض وعقارات، تنتشر في محيط المدينة المقدّسة، وهو ما حدى بالمسؤولين، تأكيد ضرورة الرجوع لذوي الخبرة والإختصاص، من قبل كل القائمين على الأملاك الوقفيّة، المسيحية منها والإسلامية، حتى لا تصبح تلك الأراضي والأملاك، ملكا للدولة اليهودية، والمستوطنين، على حساب العرب في المدينة.

محافظ القدس، السيّد عدنان الحسيني أكّد أن بطريركية الروم الأرثوذكس قديمة وعريقة، ولها أملاك كثيرة، مما يجعلها بموقع الطمع من الطرف الآخر، ويضيف أن الصفقات التي حصلت في فترات ماضية، هي صفقات من أخطر ما يمكن.

ويقول الحسيني، أن محافظة القدس والسلطة الفلسطينية تسعى وتحاول أن تدعم، وأن نكون دائما متواجدة من أجل إلغاء هذه الصفقة، والتي تمّت بطريقة واضحة للجميع، وهي أن أحد الموظفين بالبطريركية استغلّ وظيفته بطريقة غير قانونية، وتصرّف بطريقة أدّت لما أدت إليه.

وشدّد الحسيني أنه على كل المؤسسات، والبطريركيات، والأوقاف، أو المؤسسات الخاصة، قبل أخذ أي قرار يتعلّق بالأرض أو الإنسان، أن يعودوا للمؤسسات الرسميّة، وأصحاب الخبرة القادرين على تحليل الأوضاع الحاصلة بالمدينة، حتى لا يقع المحظور هنا أو هناك، فيكون من الصعب العودة.

الصفقة الأخيرة، وإن كانت برأي البطريركيّة، لصالح المسيحيين في المدينة المقدّسة، إلا أنها تشكّل خطرا يتهدّد الوجود العربي في المدينة، إذا ما علمنا أنه وبهذه الصفقة الأخيرة، تستكمل أهمّ حلقات الحزام الإستيطاني في محيط مدينة القدس، وتكريس عزلها عن محيطها الفلسطيني بشكل تام
رئيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر الأرثوذكسي في فلسطين مروان طوباسي، تحدّث لنا عن تفاصيل الصفقة، فيقول: الذي أبرم هذه الصفقة بتاريخ 28/4/2009 – مع شركة (تلبيوت اليهوديّة)، هو البطريرك الحالي (ثيوفيلوس الثالث)، وكان البطريرك السابق المعزول (إيرينيوس)، قد وقّع على اتفاقيّة مع شركة (بارا) عام ألفين وسبعة، على نفس القطعة من الأرض، فتنازعت الشركتان.

ويضيف الطوباسي أن هذا الموضوع في غاية الخطورة، لما له من علاقة بعروبة القدس، فهي الآن يتهدّدها خطر التهويد من قبل إسرائيل، التي تسعى دائما لتهويد المدينة، وإطباق الحزام الأمني حول القدس.

وفي ظلّ تضارب المواقف، بين البطريركيّة الأرثوذكسية من ناحية، وبين الرعيّة الأرثوذكسية في داخل إسرائيل، وفي مناطق السلطة الفلسطينية من ناحية أخرى... تبقى القضيّة معلّقة بين شرعيّة التأجير، وخصوصية أملاك الجهات الدينية، وبين حساسيّة العلاقة بين الطوائف على اختلافها... لتوضع قضيّة السيطرة اليونانيّة على البطريركية الأرثوذكسية، وهي أعلى مؤسسة روحية أرثوذكسية في فلسطين، على محكّ النقاش العلني فوق الطاولة، للمرّة الأولى.