انتفضت مار-يوحنا كعادتها... وحاولت أن تأخذ دورها, رغم الزحام.. فارتأت أن تكون بعيدة عن المهاترات السياسية, وقريبة قريبة جدا, من إنسانيتها وانتمائها لأبناء شعبها.

 لم تكن الفكرة وليدة صدفة, أو واقعة عن غير المألوف والمعتاد.. فالحق يقال.. هي هي.. مدرسة مار-يوحنا, كما عهدتها على مدار أعوام, السباقة في كل شيء,, وكيف ولو أن الحديث يدور حول شعب هو منا ونحن منه, شعب يقتل صغاره, وتلطم نساؤه.. والويل لأمة لا تجد من يواسيها....

تلك المدرسة الصغيرة القابعة بين أحياء وأزقة صغيرة أيضا.. مدرسة حملت ما عندها من أثقال لتضمد جراح المنكوبين هناك على بعد مساقات طويلة جدا.. حملت أثقالها لتمسح دمعة الأطفال هناك, ولتخفف بما استطاعت عن ذوي من يموتون في العراء..

تمخّض الجبل, فولد بركان عطاء ومحبة كلمة لا بد ان ناخذها, فكانت البداية.. أن طرحنا أسئلتنا على المربي الأستاذ عزيزسمعان دعيم, مدير المدرسة.

كيف بدأت الفكرة؟

 - الأستاذ عزيز: مدرسة مار-يوحنا تغرس في طلابها روح المحبة وعمل الخير, لذلك, تقوم المدرسة على مدار سنوات عديدة بتشجيع حملات التطوع والتبرع ودعم جمعيات ومؤسسات طبية وخيرية, من خلال تبرع الطلاب والاهالي والطاقم التربوي, ومن خلال مشاركة الطلاب في حملات جمع التبرعات, والتي كانت آخرها قبل أسبوعين, حيث قام طلاب الصف السابع بجمع تبرعات  في حيفا لجمعية من أجل ذوي الإحتياجات الخاصة.

 وعندما شاهدنا وعشنا الأحداث المؤلمة والمحزنة جدا في قطاع غزة, تساءلنا كيف بإمكاننا أن نساعد ولو بشيء قليل في تخفيف الألم, فعندها نضجت الفكرة لجمع تبرعات للمستشفى الأهلي العربي الإنجيلي في غزة, والذي يخدم جميع الأهل هناك, والمشفى مؤسسة تابعة لمطرانية الكنيسة الأسقفية في الشرق الأوسط, والتي تنتمي إليها المدرسة.

 ما هو إنطباعك من سلوك الطلاب وتجاوبهم مع الفكرة؟

 - الاستاذ عزيز: لم نتفاجأ من التجاوب الرائع للطلاب والأهالي, في دعم حملة الخير هذه. فالحملة لم تتعد من وقت الإعلان عنها وحتى نهايتها خمسة أيام, ومع ذلك كان التجاوب كبيرا جدا. وصلت المدرسة رسائل شكر وتقدير خطية وهاتفية من الأهل على الفكرة والأسلوب التربوي.

ما فاجأنا صراحة, هو مجموع ما تم تجميعه في فترة قصيرة جدا (4 أيام), وهو مبلغ بمقدار 20 ألف شاقل, وهذا, أكد أننا شعب معطاء وخيّر, لا يقف موقف المتفرج, بل يعمل كل ما بإمكانه لتخفيف اوجاع الآخرين.

 كذلك, أضيف أن فكرة الحملة, كانت بتضامن كبير جدا وبمشاركة لجنة الأهالي ومجلس الطلبة منذ بدايتها, أي في عملية إصدار منشور للأهل, حتى نهايتها بما في ذلك إحصاء مبالغ التبرعات وتسليمها لسيادة المطران سهيل دوّاني الموقر, ليسلمها هو بدوره إلى المشفى العربي في غزة. 

المشفى الأهلي العربي في غزة بلا شبابيك

 وفي حديث هاتفي مع السيد حليم بشلاوي, محاسب المطرانية, وحول سؤالنا عن كيفية إيصال المبلغ , وكيف يساعد, قال:

-السيد بشلاوي:  تم أيداع المبلغ المذكور, في حساب المطرانية في القدس, وهو مخصص للمشقى الأهلي في غزة. وما تقوم به المطرانية, هو إصدار شيكات بالمبلغ من حسابات الكنيسة, حيث يشترى معدات طبية من رام الله وغيرها, شرط أن تكون البضائع وطنية, وأحيانا كثيرة تقدم المطرانية شيكات لشركات السولر, والتي تستخدم لتشغيل مولدات الكهرباء العاملة في المشفى, في حالات انقطاع الكهرباء.أما بالنسبة للمواد والمعدات الطبية, كمعدات المختبر, شراشف, وادوية, فيتم شراؤها بواسطة أشخاص مختصين, ومن ثم إيصالها عن طريق الأونروا (وكالة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين- إحدى وكالات الأمم المتحدة). 

ما هو حال المشفى؟

- السيد بشلاوي: يعاني المشفى, جراء الحرب, من حالة سيئة. فمن شدة الضرب, تم تحطيم زجاج الشبابيك, وأيضا سور من أسوار المشفى أخذ نصيبه من تلك الحرب.

في فترة الحرب, يدرك المشفى ان الواصلين إليه غير قادرين على الدفع, لذلك, هو بأشد الحاجة إلى المعونات. لذلك يتم الإتصال مع المطرانية, وهي بدورها تشتري الأدوية وما يلزم من معدات, ويتم إيصالها إلى القطاع عن طريق الأونروا, كما ذكرت سابقا.

هل لك أن تعرفنا أكثر عن ذلك المشفى الذي اختارته المدرسة عنوانا لحملتها الإنسانية؟

 - السيد بشلاوي: هو المستشفى الأهلي العربي الإنجيلي الموجود في مدينة غزة, تابع لمطرانية الكنيسة الأسقفية في الشرق الأوسط. يتم فيه الكثير من العمل. حيث يستقبل الكثير من الناس, ويقدم خدماته لكافة طبقات المجتمع في قطاع غزة, دون استثناء. يستقبل المشفى يومين في الأسبوع أشخاصا في العيادات الخارجية, وغالبا ما يكون مجانا, فالمشفى يستقبل الناس وهو يدرك أنهم غير قادرين على سد الفواتير الخاصة للمشفى, لأن أغلبية الناس غير قادرين على الدفع.

 بعد الإنتفاضة الأولى (1987), باشر المشفى في أخراج سيارة إسعاف مرة واحدة في الأسبوع, للقرى داخل القطاع, وذلك لخدمة غير القادرين على الدفع أو الوصول إلى المشفى.

 هل لك أن تحدثنا عن رأيك بفكرة جمع التبرعات؟ 

- السيد بشلاوي: نحيي في المدرسة, روح تعليم العطاء, هذا أولا. أما ثانيا, ما قامت به المدرسة, يدل على شعور طلابها بالإنتماء إلى شعبه الفلسطيني. وبإسمي ونيابة عن المطرانية في القدس, أوجه الشكر الجزيل لمدير المدرسة, طاقم المعلمين, الأهالي والطلاب.

 قائد خادم- أضحى مشروع جميع الطلاب

 أما الطالب فراس حداد, طالب الصف الثامن, ورئيس مجلس الطلاب, والذي كان فاعلا ومشرفا مع غيره من الطلاب على عملية جمع التبرعات من الطلاب, فقد أعرب عن فرحته التي لا تقدر بثمن حسب رأيه, لأن المدرسة استطاعت ان تجمع مبلغا كبيرا.  أما عن توقعاته من مجموع التبرعات, فقال:

 - فراس حداد: لم أكن أتوقع هذا المبلغ, لأننا قمنا بجمع التبرعات في فترة قليلة جدا. على أية حال, ليس المهم هو المبلغ بالنسبة لي, المهم هو مبدأ تجميع المال, وتقديمها لمساعدة أبناء شعبنا في غزة.

 كنت ومجموعة من الطلاب تباشرون على عملية جمع التبرعات, كيف تقيم تجاوب الطلاب مع الفكرة؟ 

- فراس: كان تجاوب الطلاب رائعا. شعرت أن الطلاب منفعلين جدا, وكل ما كان يهمهم تقديم ما أتوا به من مال.

واحدة من الطالبات المشاركات في عملية جمع التبرعات, وهي الطالبة ديما ريناوي, طالبة من الصف السابع, كانت قد ذكرت  أن فكرة التبرعات, كانت واضحة جدا للطلاب. فقد أدركوا حول ماذا يدور موضوع التبرعات. " ما أسعدني وأثار استغرابي, هو المنافسة بين الطلاب, حول من يسبق الاخر في إيداع المبلغ"  تقول ديما.

وما كان لهذا التقرير أن يكتمل, دون إشراك العنصر الهام جدا والمساهم في كل عملية تربوية تقوم بها المدرسة- لجنة أولياء أمور الطلاب, فكان لنا حديث مع السيد بسام خميس, رئيس لجنة أولياء أمور الطلاب, وردا على سؤالنا له, حول رأيه في فكرة حملة التبرعات, أجاب:

 - بعد توجه الأستاذ عزيز دعيم- مدير المدرسة, للجنة الأهالي, كي نساعد في موضوع التبرع, كان جوابنا على الحال وبالإجماع, أن هذا أقل شيء ممكن أن نعمله لمساندة أبناء شعبنا في غزة, إثر الحرب التي تشنها اسرائيل على الاطفال والنساء والأهل هناك.

أسعدني جدا رؤية أطفالنا وهم منهمكون في جمع التبرعات, واهتمامهم الشديد, بعد رؤيتهم للحوادث التي أثرت في نفوسهم وعززت فيهم الإنتماء. 

- هل لك أن تشاركنا شعورك وأنت تشارك في المرحلة الأخيرة, وهي عملية إحصاء المبالغ؟

السيد خميس- سعادتي واعتزازي وفخري بأهل مدرستنا, كانت كبيرة جدا بعد فتح المغلفات, والتي وجدنا بها قطعا معدنية وورقية, مما يدل على مشاركة أطفالنا بمصروفهم اليومي. 

- كلمة أخيرة؟ 

- أوجه شكري وتقديري للأهالي, الذين شاركوا في هذه الحملة. شكر كبير للطلاب, والطاقم التعليمي على هذه اللفتة الصادقة. ما قام به الجميع إن دل على شيء, فإنه حتما يدل على حب العطاء ومساعدة الغير. 

وفي الختام.. يحضرني الشاعر نزار قباني, رحمه الله, حين نادى بثلاثيته أطفال غزة, مرددا, ومعه نردد:نأن أ يا تلاميذ غزة ويا أطفال غزة...

 "علّمونا فن التشبث بالأرض  ولا تتركوا  المسيح حزينا   يا أحباءنا الصغار  سلاما جعل الله يومكم  ياسمينا".

 أعد التقرير: نداء نصير عن موقع كنيسة ومدرسة مار يوحنا الانجيلي