آخر ما أذكره أني شعرت بقشعريرة وبدأ جسمي يرتجف بشدة وأجهشت بالبكاء دون سبب واضح سوى شعوري بحزن شديد وضيق وكأن غمامة سوداء استقرت فوق جسدي. وكان آخر ما سمعته صوت الممرضة تطلب مني أن أتنفس. هذا حدث بينما كان أفراد الطاقم الطبي حول سريري في غرفة الـ C.T. يحاولون عبثًا تهدئتي كي يتمكنوا من إجراء عملية إخراج أكياس الصديد (العَمَل) التي تكونت في بطني.

وأذكر بعد ذلك أني صحوت لأرى أختي وأسمعها تقول لي أني مررت بوضع صعب لكِنّي الآن بخير وأنا موجودة في قسم العناية المكثفة في مستشفى "رمبام". وبعدها بدأ يدخل باقي أفراد العائلة بالتناوب ويسألونني إن كنت أميّز من هم. وكنت استغرب سؤالهم، فأنا أعرفهم وكيف لا؟ إلى أن فهمت أني كنت في غيبوبة في الأسابيع الثلاثة الأخيرة والتي اتضح أنها تضمنّت أحداث غير عادية فيما يخص وضعي الصحي.

وفيما كنت أتماثل للشفاء، سمعت منهم (أي أفراد العائلة والأصدقاء) تفاصيل ما حدث لي ما بين غيابي عن الوعي وصحوتي بعد ثلاثة أسابيع:
ما حدث هو أني توقفت عن التنفس وهرع الطاقم بي إلى غرفة معالجة الصدمات وباشروا في عملية الإنعاش. لقد تعرضت ل"صدمة إنتانية" (بالإنجليزية: Septic shock) وهي صدمة ناجمة عن دخول الجراثيم إلى الدم، حيث تنقسم وتتكاثر، وتؤدي إلى تسمم دموي. وهي حالة قاتلة ينجو منها، بحسب الإحصائيات الطبية، 0.1%، أي حالة واحدة من بين 1000 ممن يتعرضون لها.

وكنتيجة للصدمة وخلال ثوانٍ تعرضت أجهزة جسمي للفشل العضوي: الكبد، الكليتين والرئتين توقفت عن العمل وانخفض ضغط الدم عندي الى 30 و 20 و10. وخلال الساعات الثماني والأربعين التي تلت عملية الإنعاش كان جسمي موصولاً بالأجهزة من كل ناحية، وكان يكفي أن يحدث انقطاع في التيار الكهربائي حتى أكون في عداد الأموات.

وعودة إلى الليلة الأولى: حدثتني أختي التي رافقتني في سيارة الإسعاف إلى المستشفى أن الطاقم الطبي والعامل الاجتماعي طلبوا منها استدعاء العائلة لأنهم فقدوا كل أمل في نجاتي. في هذه المرحلة قامت بالاتصال بقسيس الكنيسة وعدد من الأخوات والأخوة الذين قاموا بدورهم بإعلان "حالة طوارئ وتعبئة" للصلاة في عشرات الكنائس في البلاد وخارجها، وكانت الصلوات ترتفع في طلب التدخل الإلهي بمعجزة شفاء وكان إعلان الرب لأفراد منهم أنني في سلام وأن "هذا المرض ليس للموت بل لكي يتمجد الله".

في صباح اليوم التالي، وبالرغم من أن وضعي كان ما زال حرجًا، لم يستطع الطاقم الطبي أن يفسر ما حصل معي وقال أحدهم: "إن كانت هذه هي نفس المريضة التي عاينتها في الليلة الماضية فلا بد أن معجزة قد حصلت لتصبح بهذا الوضع الذي نشهده اليوم".

لم يتغير الوضع خلال الأسبوع الأول: كان حالتي الطبية مستقرة لكنني ما زلت في حالة خطرة: عانيت من التهاب رئوي حاد منعني من التنفس تلقائيًا وكنت أتنفس بواسطة الجهاز الموصول وأتلقى علاجًا بأقوى أنواع المضادات الحيوية، وبعد عملية غسل الكلى (الدياليزا) الأولى، عادت الكليتين للعمل ثم بعد عشرة أيام عاد الكبد إلى العمل. في الأسبوع الثالث أجروا لي عملية جراحية لفتح فتحة في القصبة الهوائية.

ثم بدأ التحسن التدريجي بسرعة فاجأَتْ الطاقم الطبي، فقد صرح أكثر من طبيب منهم أنني كنت "من أصعب الحالات التي وصلت الى المستشفى".

انقضى شهرين على تلك الليلة القاسية؛ عدت إلى عملي وأنا في صحة جيدة جدًا. وكل ما أتمناه وأصلي من أجله هو أن كل من صلى من أجلي وكل من يقرأ شهادتي هذه أن يهتف: ما أعظم أعمالك يا رب وما أصدق وعودك: "أدعني في يوم الضيق أنقذك فتمجدني".