تحية محبة مسيحية باسم ربنا وفادينا يسوع المسيح

لم أفكر أبداً أن أتَّصِلَ بك أيها الأب الفاضل بهذه الطريقة، ولكن البعد الجغرافي وظروف العمل دفعني إلى وضع هذه الرسالة بين أيدي أهلنا وأحبتنا في فلسطين واسرائيل، وصلاتي إلى الله المحب والقدوس أن تمثل هذه الرسالة نهاية لفترة مزعجة، وبداية لمرحلة جديدة من المحبة والتفاهم والتعاون والعمل المشترك لمجد الله القدوس.

نعلم جميعاً أن عدد المسيحيين في بلادنا يتناقص بشكل يثير القلق والخوف في قلب كل مسيحي حريص على وجود أتباعٍ للرب يسوع المسيح في ذات الأرض التي اختارها. فأرضنا المقدسة هي أرض المسيح، وفيها ولد من القديسة المباركة مريم العذراء، وفي ربوعها جال يصنع خيراً، وفي قُدسها مات على الصليب من أجل خطايا العالم، ثم قام منتصراً وصعد إلى السماء، وإليها سيعود في نهاية الأيام ليدين الأحياء والأموات. ولأن فلسطين هي وطن المسيحية الأول، فإن صلاة المؤمنين ترتفع بخشوع إلى الله حتى يحمي كنيسته الواحدة، بجميع فروعها، في أرضنا الحبيبة.

أجل أيها الأب جبرائيل: بقي في كل الضفة الغربية وقطاع غزة، أي في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، أقل من 50000 (خمسين) ألفاً من المسيحيين على اختلاف طوائفهم الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، وحوالي 150000في اسرائيل، لذلك فإن مسئولية قادة ورعاة هذه الطوائف هي مسئولية تاريخية وعظيمة، وتتمثل بالعمل المشترك، وبروح الصلاة والمحبة، على الحفاظ على البقية الباقية من المسيحيين في الأرض المقدسة. كذلك العمل على نمو الكنيسة من جميع النواحي، وهذا يشمل النمو في العدد والإيمان ومعرفة حق الإنجيل.

إننا نقف أمام خطر داهم، فإما أن نكون أو لا نكون، لذلك علينا أن نتحلى بروح المحبة والمسئولية في العمل على خدمة الكنيسة والوجود المسيحي في بلادنا. فالمشاكل التي أمامنا كثيرة ومتشعبة، وتشمل جميع النواحي الروحية والأخلاقية والاجتماعية والتربوية والوجودية. ومن حق المسيحيين في بلادنا أن يحصلوا على إجابات واضحة وصادقة من الإنجيل المقدس لجميع مشاكلهم، حتى يستطيعوا العيش بكرامة في وطنهم الذي ليس لهم بديلاً عنه. وهذا يتطلب من الجميع أن يكونوا واحداً في الروح والمحبة والعمل. فآلام وآمال ومصير المسيحيين واحد، وكلنا مطالبين أمام الله أن نخدمهم بكل تفانٍ وإخلاص.

الأب جبرائيل: إن بلدنا صغير، وما أسهل أن تتناقل الأقوال بين الناس، وحتى اليوم سمعت عشرات الروايات عن أحاديث صدرت من شخصك الفاضل، ومن رجال ونساء في الكنيسة الأرثوذكسية، ومحور هذه الأحاديث هو الانتقاد الجارح لأعضاء الكنيسة الإنجيلية في بلادنا، هؤلاء المسيحيون الذين تركوا الكنائس التاريخية وانضموا للكنيسة الإنجيلية، والذين يُطلِق عليهم الناس لقب \"المتجددين\"، حيث يتم اتهام الإنجيلين (أو المتجددين) باتهامات باطلة ومتعددة. والحقيقة أن هذا الأسلوب وهذه التهم الموجهة إلى الإنجيليين لا تخدم إلاَّ أعداء صليب ربنا يسوع المسيح، عِلماً بأننا كإنجيليين نتألم كثيراً مما يحصل، ونغفر من كل قلوبنا لمن يُسيء إلينا، ونصلي إلى الله أن يملأ قلوب الجميع بالمحبة، عوضاً عن الرفض والكراهية.

الأب جبرائيل: بدلاً من لعن وانتقاد الإنجيليين، لماذا لا يتساءل قادة الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية عن سبب ترك هؤلاء الناس للكنائس التاريخية، وكذلك لماذا لا نبحث معاً عن إمكانيات العمل المشترك بين الجميع من أجل مجد الله القدوس في بلادنا، التي أصبح وجودنا بها مهدد بالخطر.

أنت تعلم أيها الأب جبرائيل أن عدداً كبيراً من بنايات الكنائس في بلادنا قد أصبحت مجرد متاحف ومزارات، وأن المسيحيين قد انقرضوا في العديد من قرى فلسطين، مثل برقة ونصف جبيل وسبسطية ورنتيس ودير غزالة ويعبد وبيت فوريك. وحتى المدن التي كانت ذات أغلبية مسيحية لم يبقَ بها إلاَّ أقليات مسيحية مثل بيت لحم وطولكرم ورام الله والزبابدة وجنين. وأن المسيحيين على وشك الانقراض نهائياً في عدد من المدن والقرى الفلسطينية. ومع ذلك فنحن لا نُحَرِّكُ ساكناً، وبدلاً من الصلاة والعمل من أجل بقاء الكنيسة، نُلهي أنفسنا بأمور جانبية وبتوجيه التهم التي لا تخدم أحداً.

إنني أدعوك أيها الأب الفاضل جبرائيل، ومعك اخوتك الأفاضل من كهنة الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية، إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ الكنيسة المسيحية في فلسطين وإسرائيل. فالذي يجمعنا في العقيدة أكثر جداً مما يفرقنا: فكلنا نؤمن بوحدانية الله الجامعة في الثالوث الأقدس، وكلنا نؤمن بلاهوت المسيح وبأنه الله الذي جاء بالجسد، ونؤمن بولادته العجيبة من القديسة المباركة والمطوّبة مريم العذراء، وموته الكفاري على الصليب، وقيامته المجيدة في اليوم الثالث، وصعوده إلى السماء، وعودته ثانية عن قريب. كذلك كلنا نؤمن بوحي الله في الكتاب المقدس، وكلنا يسعى إلى العيش في هذا العالم بحسب مشيئة الله الصالحة والمرضية والكاملة. أجل أيها الأب المحبوب: ما يجمعنا أكثر جداً مما يفرقنا، لذلك فنحن مطالبين من الله ومن المؤمنين في كنيسته أن نعمل معاً من أجل إعلان حق الإنجيل، وخدمة الله في أرضنا العزيزة.

صلاتي إلى الله المحب أن يحفظك وأن يستخدمك لمجد اسمه القدوس

مع تحيات: القس بسام الياس بنورة