تقف منطقة الشرق الأوسط على حافة حرب طائفية شاملة ومدمرة. وقد بات الالتفات للأقليات وخاصة المسيحيين واستيعابهم في المعادلة السياسية والمجتمعية ضرورة.

بالكثير من الإعجاب، تابع العالم كله كيف قامت الثورات الشبابية العربية التي تحلت بالشجاعة بإزاحة “أنظمة فاسدة”. وعدت ثورات “الربيع” هذه بالنظام الديمقراطي التعددي ما أعطى آمالا للأقليات الدينية العربية، كي تستعيد مكانتها ودورها في بناء نهضة دولها. لكن سرعان ما تبدد الحلم بعد وصول جماعات الإسلام السياسي إلى السلطة في أكثر من بلد عربي فأصبحت هذه الأقليات -خاصة الأقلية المسيحية- تحلم بالعودة إلى ما كان عليه حالها في ظل الأنظمة الاستبدادية مع تنامي مؤشرات اجتماعية تهدد بحروب طائفية.

دور تاريخي لا يشقع
رغم أن المسيحية ولدت في المشرق إلا أن المسيحيين في العالم الإسلامي باتوا مجموعة مهمشة وملاحقة.

وقد أدى الربيع العربي إلى وصول متزامن لتيارات إسلامية إلى مقاعد السلطة ونحو مراكز الحكم، وليس ذلك أمرا جديدا فقد تعايش المسيحيون العرب مع “الدولة الإسلامية” في مراحلها المختلفة، ولكن الذي جد حاليا هو تلك الأصولية الدينية التي برزت على السطح على نحو غير مسبوق، وكأنها تعلن عن مرحلة جديدة في الشراكة بين المسلمين و”أهل الكتاب” فيما يتصل بالسياسة والحكم في هذا العصر.

وبات عدد المسيحيين المقيمين في الدول العربية يتراجع بشكل يثير الكثير من المخاوف.

وفي الأراضي الفلسطينية، مهد المسيحية، تشير التقديرات إلى وجود 49 ألف مسيحي فقط، أي ما يعادل 1.2 بالمئة من إجمالي السكان. ويعيش نصف هؤلاء في محافظة بيت لحم، وفي مهد المسيح يعيش حوالي 6500 مسيحي فقط. ويذكر أن عدد المسيحيين في مدينة القدس بحسب إحصاء 1922 كان يساوي 3 أضعاف عدد المسلمين.

أما في سوريا فلم يبق من المسيحيين العرب إلا 1.2 مليون مسيحي. وكانت وزارة الخارجية الروسية أعلنت عام 2016 أن عدد السكان المسيحيين في سوريا انخفض مليونا واحدا منذ بداية الأزمة في البلاد عام 2011. وقال قسطنطين دولغوف، مفوض الخارجية الروسية لشؤون حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون “انخفض عدد المسيحيين في سوريا منذ بداية النزاع المسلح هناك من 2.2 مليون إنسان إلى 1.2”. وكان عدد المسيحيين عام 1950 يقدر بحوالي 5 ملايين، حيث كانوا يشكلون نسبة 60 بالمئة من عدد السكان.

الأمر ذاته في العراق، فبعد أن كانت أعداد المسيحيين العراقيين تقدر بثلاثة ملايين في نهاية القرن العشرين صار عددهم في العراق اليوم لا يزيد عن نصف مليون، وإذا استمر فرارهم للنجاة بأنفسهم فإن الدراسات تتوقع نهاية وجودهم في العراق خلال السنوات العشر القادمة.

أما الأقباط الذين كانوا يشكلون 25 بالمئة من سكان مصر فقد أصبحوا الآن يشكلون أكثر من 10 بالمئة (حوالي 10 ملايين). وفي الأردن تشير الإحصائيات إلى أن عددهم حاليا يقارب المئتين وخمسين ألف نسمة.

وحتى في لبنان، الذي كان المسيحيون فيه يشكلون أغلبية قبل نحو قرن من الزمان، تحول المسيحيون إلى أقلية، بسبب الهجرة إلى الخارج وارتفاع معدلات الإنجاب لدى المسلمين.

والآن بات المسيحيون في لبنان يشكلون حوالي 30 أو 35 بالمئة من مجموع السكان. وفي المحصلة لم يبق من المسيحيين في العالم العربي إلا ما بين اثني عشر مليون نسمة وخمسة عشر مليون نسمة من أصل ثلاث مئة وخمسين مليون عربي تقريباً، وهؤلاء قد تنخفض أعدادهم -كما تشير الدراسات- إلى نحو 6 ملايين سنة 2025.

وفي إصداره الأخير بعنوان “مستقبل الأديان في العالم” في 2015، توقع مركز بيو للأبحاث بواشنطن استمرار تراجع الوجود المسيحي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ليبلغ 3 بالمئة فقط في 2050، إذا استمرت معدلات النمو والهجرة على النحو الحالي.

لقد لعب المسيحيون العرب دورا بارزا في إطار مشروع النهضة العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ناهيك عن دورهم في الحركات الوطنية الدستورية، والاستقلالية، ثم في إطار حركات التحرر الوطني العربية. كما كان للمسيحيين العرب حضور مؤثر في بناء دولة ما بعد الاستقلال. لكن من تناقضات التعامل مع الواقع الديني في البلاد العربية أن أغلبها لا تزال تتستر على أعداد المتدينين بأديانها والتابعين لطوائفها بدعوى الحفاظ على “الوحدة الوطنية”.

لقد عانى المسيحيون العرب طوال سنوات كثيرة خيارات محدودة، فإما أن يكونوا في صف النظام الحاكم الذي يعارض تيارات الإسلام السياسي المتشدد، وإما أن ينضموا إلى الحركات المدنية التي لا تتمتع بأي تأثير يذكر.

وقد أصبح شغل مسيحي لمنصب رئيس دولة أو رئيس حكومة أو حتى وزير، كما كان معروفاً في النصف الثاني من القرن العشرين، أمراً لا يمكن تصوره في الوقت الراهن.

وتظل أبرز القضايا المطروحة على الساحة السياسية في البلاد العربية تلك القضية الخاصة بإمكانية إقامة حزب على أساس ديني من ناحية الأحزاب المسيحية. ويبقى لبنان استثناء إذ يوجد به حزبان أساسيان مبنيان على أسس دينية هما حزب الكتائب اللبناني وحزب القوات اللبنانية.

ويقول الأنبا داميان أسقف الطائفة القبطية في ألمانيا “في زمن (الرئيس الأسبق حسني) مبارك لم يكن القانون يحمينا، إلا أن مكرمة الرئيس أعادت لنا جزءا من حقوقنا. اليوم لا توجد أي جهة للحوار ولا رحمة، بل على العكس، فإن الكثير من الأقباط يشعر بأنه غير محمي في وطنه”.

وفي الحالة اللبنانية يقول المؤرخ اللبناني عبدالرؤوف سنو إن “الكثير من المسيحيين يشعرون بأن أيديولوجيا حزب الله المتطرفة تشكل تهديداً بالنسبة لهم”. كما أن حزب الله ينظر إلى آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، على أنه القائد الديني والسياسي للعالم الإسلامي. لكن الخطر لا يأتي فقط من الأغلبية الشيعية في لبنان، بل من التصعيد في الجارة سوريا أيضاً، الذيً يقلق الجالية المسيحية. هذا ما يدفع بالمسيحيين إلى التفكير في الهجرة، ليس في لبنان وحده، بل في عدد من دول الربيع العربي أيضاً.

الإنكار لا ينفع
تزايدت معاناة العرب المسيحيين في السنوات العشر الأخيرة، بالتزامن مع تفاقم أزمة اللاجئين والنازحين السوريين والعراقيين من جحيم الحروب في الشرق الأوسط، لتزيد من عبء المعاناة على كاهل الأنظمة العربية، التي كثيراً ما كانت تنكر وجود أي مشكلات سياسية أو طائفية.

وزادت هموم المسيحيين العرب بعد ثورات الربيع العربي وصعود تيار الإسلام السياسي وإقدامه على تصفية الحسابات ودخوله في خصومة تاريخية مع شركاء الوطن.

ومع فشل الباحثين والمهتمين في الكشف عن أسباب بزوغ هذا النوع من النزاعات فور إسقاط الأنظمة المستبدة سياسياً، لا يزال الكثيرون يبررون ما يحدث للمسيحيين العرب ويشيرون إلى أنه “حوادث فردية”، وهناك من يمنح الأعذار لهذه التيارات.

وهناك من لا يزال ينكر فقدان العراق أكثر من مليون ونصف المليون مسيحي هاجروا بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، بعد أن كان المأمول اشتراك العراقيين بمختلف اتجاهاتهم في بناء دولة ديمقراطية حقيقية. وهناك مَن ينكر تراجع الوجود المسيحي في سوريا منذ اندلاع الثورة السورية في مارس 2011 في ظل تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية.  وهناك مَن يقلّل من حرق 67 كنيسة في أقل من شهر في مصر بعد فض اعتصامي النهضة ورابعة العدوية.

ويقول خبراء إن الحل لن يكون إلا من خلال دولة مدنية دستورية وطنية حديثة تؤمن بالتعددية والدفاع عن الموروث الثقافي والحضاري الذي أسهم فيه العرب المسيحيون عبر قرون، وإلا سيكون الشرق مُفرَّغاً من مواطنيه وحضارته وتنوّعه!