يرتفع مع كل يوم يمر منسوب القلق الغربي والدولي من تضاؤل الوجود المسيحي في دول الشرق الأوسط، إلى حد بات يهدد بتفريغ هذه المنطقة من مكون أساسي، يشكل ركيزة ونموذجا للتنوع على مر العصور، وبلغ هذا القلق أوجَّه بعدما تدنت الأرقام إلى حد مخيف، وفق ما كشفت عنه دراسات أعدتها مراكز أبحاث عالمية غربية، أظهرت أن "مسيحيي الشرق الذين كانوا يمثلون من 15 إلى 20% من سكانه، حتى خمسينات القرن الماضي، لا يتجاوزون حاليا 8%، ولن تكون نسبتهم سوى من 3 إلى 4% في العام 2025، ولن يبقى لهم أي أثر في بعض البلدان؛ إذا لم تُتخذ تدابير جذرية تحفظ هذا الوجود".

وبحسب موقع "ليبانون فايلز"؛ فإن تنسيقية "مسيحيي الشرق في خطر (كريدو)، عقدت اجتماعا، مساء أمس، في إحدى أكبر الصالات الفرنسية (زينيت)، في العاصمة باريس، شارك فيه ما يقرب من ألف وخمسمئة شخصية، من بينهم نواب، وعدد من المسؤولين الفرنسيين، ومسيحيي الشرق؛ للتشاور في سبل تعزيز الوجود المسيحي في الدول التي تعاني من الاضطرابات السياسية والأمنية، والسبل المتاحة لدعمهم معنويا وماديا".

وقالت مصادر سياسية شاركت في الاجتماع، إن "الكلمات التي ألقيت سمَّت للمرة الأولى، الأشياء بأسمائها، وأضاءت على المخاطر التي تتهدد المسيحيين في المنطقة، والخطوات الواجب على دول الغرب الإقدام عليها، واتخاذ مبادرات إنقاذية قبل فوات الأوان"، كما دعت إلى "تركيز الاهتمام على لبنان؛ لكونه نموذجا يُحتذى بالنسبة إلى التنوع الديني والطائفي والعيش المشترك"، محذرة من أن "عدم المبادرة من شأنه أن يفرغ الشرق أيضا من مسيحييه على المدى الطويل، حيث بات المسيحيون ضحية للصراع السُّني والشيعي في المنطقة".

وكان رئيس حزب "الجمهوريين" الفرنسي المعارض المرشح للرئاسة النائب برونو لومير زار لبنان الاسبوع الماضي، ودعا الحكومة الفرنسية المبادرة، إلى "عقد مؤتمر دولي يعالج موضوع لبنان وسوريا، واعتماد قرار أكثر قوة لحماية مسيحيي الشرق، وجميع الأقليات، على قاعدة التنوع، والحفاظ على الاستقرار والسلم"، كما اقترح "إصدار قرار في الأمم المتحدة، يسمح باستخدام القوة لحماية المسيحيين في هذه المنطقة".

وردت الخارجية الفرنسية مؤكدة أن "فرنسا لن تسمح بسقوط المسيحيين في الشرق، ولديها واجب إنساني بتأمين الدعم للمسيحيين، وأنه لا يمكن لأي فرنسي أن يقبل بتصفية المسيحيين في الشرق، ولا بمحو عقود من الحضارة والثقافة".

وأكَّدت مصادر دبلوماسية غربية، أن "التقارير التي أعدها الموفدان البابويان الكاردينال أنجلو سكولا، ودومينيك مامبرتي، إثر زيارتهما إلى لبنان أخيرا، ركزت على هذا الجانب تحديدا، واقترحت وضع تصور واستراتيجيا ضمن ملف متكامل، يُرفع إلى الفاتيكان لحماية هذا الوجود"، مشيرة إلى "أهمية وضع حد لهجرة المسيحيين من الشرق، في اتجاه دول الغرب، وتحويلها إلى بلدان المنطقة، لا سيما لبنان بعد تقديم الدعم اللازم له لتحمل أعباء النزوح إلى أراضيه، ذلك أن بقاءهم في هذا البلد يكفل إمكان عودتهم إلى دولهم، خلافا لواقع الحال بالنسبة إلى الهجرة نحو الغرب".