هل لمصر أن تبعث برسالة الى العالم الذي تقتله روح التعصب والثنائية المتنافرة وتحكمه قاعدة الفيلسوف الوجودي الشهير جان بول سارتر: «الآخرون هم الجحيم». حكما بات العالم في حاجة الى رسالة جديدة في التسامح، تعيد التذكير بما قدمه الفيلسوف الإنجليزي والمفكر السياسي الكبير جون لوك (1632-1704) من قبل. في هذا الاطار تجيء الاخبار من محافظة جنوب سيناء عن فتح باب التبرعات لانشاء مجمع الاديان بمنطقة سانت كاترين، في محاولة لاحياء الحلم القديم للرئيس الراحل انور السادات.. هل لنا ان نذكر الأجيال الشابة بهذا الحلم؟

في السادس من اغسطس عام 1980 وجه السادات رسالة من على ارض الفيروز اشار فيها الى ان: "عالمنا الان وما يدور فيه من أحداث جسام أشد ما يكون الي رمز ما يذكرنا بوحدة المصير الانساني ووحدة الرسالة السماوية، مشهدا يجسد مفهوم الإخاء بين كافة المؤمنين بالأديان الابراهمية الثلاث". كان حلم السادات ان يقام على ارض سيناء، جبل الوادي المقدس، حيث أول حوار بين السماء والأرض، وحيث تسلم الانسان أولى الشرائع والنواميس الإلهية المكتوبة، مجمعا لعباة الله الواحد الاحد، الفرد الصمد، يضم مسجدا وكنيسة ومعبدا.. مجمعا يوجه عباد الرحمن سوية الى رفع الصلوات والتراتيل والابتهالات، والتكبير في خشوع والسجود والركوع، للعزة الالهية.

في ذلك اليوم كان السادات سابقا لعصره وبدا وكأنه من خلال ذلك المجمع يفتح الباب واسعا لحوار انساني وإيماني خلاق يتجاوز التعصب ويقفز علي التمذهب.. كان إيمانه أن الرسالات السماوية واحدة، لان الهدي الرباني فيض مستمر وكل مؤمن يتوجب عليه ان يعتقد بان المؤمنين جميعا إخوة. دعا السادات وهي دعوة يتوجب تجديدها شعوب العالم للتبرع لإقامة هذا الصرح ولم يكن غرضه رحمه الله جمع الاموال بقدر ان تشترك شعوب العالم جماعات وافرادا، في تشييد المجمع، حتى وان كان التبرع باصغر قيمة مالية، فالامر هنا يتصل بالرمز باكثر من القيمة.

هل ينبغي لمصر حكومة وشعبا، جماعات وافرادا، هيئات ومؤسسات، أزهرا وكنيسة، أن تعير هذا المشروع التفاتة كبيرة واهتماما اكبر في هذا التوقيت المؤلم داخليا وخارجيا، حيث المحاولات جارية على قدم وساق لايقاع الفتنة بين اتباع الاديان، بل ابعد من ذلك بين أصحاب الدين الواحد، لا سيما في عالمنا العربي والاسلامي والحال يغنيك عن السؤال؟

قد يقول قائل ان سيناء الان مريضة تعاني من الإرهاب ومن التاثيرات السلبية للجماعات الظلامية، ولهذا فان الوقت غير ملائم؟

لكن متي كان الأصحاء في حاجة الي طبيب اليس المرضي وذوو الاسقام هم من يحتاجون الى العلاج؟

ان الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الترويج العالمي لهذا المشروع في عالم فقد ضوابط التعايش السلمي، لهو افضل طريق لنشر نور التسامح والمودة التي تبدد ستر الظلام، وبخاصة عند محتكري الحقيقة ومواجهة القتلة باسم الله، وحصر المتشددين الرافضين للآخر، وفتح مجال للسماحة والإحترام وللمحبة والسلام في قريتنا العالمية بحسب عالم الإجتماع الكندي الشهير مارشال ماكلوهان.

عبر عدة الاف من السنين خلف لنا الحكماء والفلاسفة من المصريين القدماء تراثا انسانيا وروحيا خلاقا قارب حقيقة الوصول الي مبدا الوحدانية كما الحال مع الفرعون امنحتب الرابع المعروف باسم اخناتون، ولاحقا جاءت الرسالات النبوية والاديان الابراهيمية واعتناق المصريين لها، لتضحي مصر مهد للإيمان وحاضنة للانسان ايا كان لونه او جنسه، وفي إنطلاقة مصر الجديدة بعد ثورة 30 يونيو وحالة الرينسانس التي تعيشها ربما يتوجب علي ارض الكنانة ايضا ان تقود ومن جديد وكما كانت دوما وابدا "ملحمة التسامح الانساني"، لتشرق انوار السلام على العالم المتخاصم المتصارع المتنازع من مجمع الاديان في ارض سيناء. ليكن للدولة دور رائد في هذا الصرح، وهو امر له مردوده الادبي والاخلاقي الكبير، لاسيما في مواجهة اولئك الكارهين لمصر، والذين يحملون لها شرا مجانيا لاسباب بعضها معروف اليوم والآخر مستتر، وان كان ما يقال اليوم همسا في المخادع سينادي به غدا من على السطوح.

يحتاج الترويج لمشروع مجمع الأديان زخما من طغمات المثقفين النهضويين المصريين ومن الاعلاميين المشتبك جلهم في جدالات بيزنطية وحوارات سفسطائية، كتلك التي عرفتها الاندلس في نهايات زمن ملوك الطوائف، زخم تلقي من خلاله الأضواء الباهرة علي هذا المشروع الذي تعيد به مصر للعالم المعني الاصيل للحياة اي انتاج التعدد والفردية معا، فمن يؤمن بالله وخلقه للحياة يتضح له ان الله خلق التنوع ويريده، فهو يعبر عن إرداته، وهو جزء من الخليقة، بما يفوق المستوي الادراكي لأغلب عقول البشر.

مجمع الأديان في سيناء.. بستان لزراعة الحب الالهي في صحراء قلوب إمتلأت كرها وبغضا، حقدا وشكا، قتلا وترويعا... بستان يتوجب علينا سقيه وريه، ولاحقا غرس بذور الحب الحقيقي فيه ليزهر للآخرين من بعدنا حبا وسلاما وهذه رسالة مصر الخالدة.