تقرير : 150 مليار دولار علي الاقل تعويضات الإبادة الأرمنية

تُعتبر المذبحة التي قام بها الأتراك من العام 1915 إلى العام 1916 بحقّ الأرمن الذين كانوا يعيشون في تركيا الحالية، من أوائل مذابح القرن الماضي. وإذا كانت نتيجة هذه المذبحة مُوجعة على الصعيد الإنساني مع أكثر من مليون و200 ألف قتيل، فإنّ فاتورة التعويضات تبقى باهظة بالنسبة إلى تركيا كما سيُظهره هذا المقال.

تُعرف المذابح التي تمّ اقترافها من قبل الأتراك بحقّ الأرمن، والتي جرت أحداثها ما بين نيسان 1915 وتموز 1916، من أكثر جرائم الإبادة الجماعية منهجية من ناحية الطريقة التي تمّ اعتمادها للقضاء على ثلثي الأرمن الذين كانوا يعيشون في تركيا الحالية.

يجمع الباحثون في التاريخ على أنّ أحداث هذه المذابح موثقة بوثائق تاريخية لا يُمكن الشك فيها، إلّا أنّ هناك عدم توافق بينهم على المدة الزمنية التي جرت خلالها هذه الأحداث، فالكلّ يتوافق على أنّ الإبادة بدأت في نيسان 1915 ومنهم من يقول إنها انتهت في تموز العام 1916 وآخرون يقولون إنها امتدّت حتى العام 1923.

كما أنّ عدد الضحايا غير معروف بالتحديد، لكنّ المراجع تقول إنّ العدد يتراوح بين مليون ومليون ونصف. يقول الباحثون إنّ اتحاد مجموعات مؤيّدة للإصلاح في الأمبراطورية العثمانية معروفون باسم «الأتراك الشباب»، وهم من مؤسسي الجمهورية التركية الحالية، هم الذين أمروا بتنفيذ الإبادة وذلك على يد السلطات المحلية المولجة آنذاك جمع الأرمن في الأمبراطورية ضمن طرق مُحددة سابقاً (أنظر إلى الرسم). كما شارك في المجازر مجموعة من السجناء الذين تمّ الإفراج عنهم لهذه المهمة وكانوا يُعرفون باسم «التنظيم الخاص».

ويقول المؤرخون إنّ تخطيط المجازر كان يتمّ في القسطنطينية، عاصمة الأمبراطورية العثمانية، ويتم تنفيذها من قبل المسؤولين المحليين في مختلف المناطق حيث يعمدون إلى جمع الأرمن ويقوم الجيش العثماني بسَوقهم إلى الصحراء لقتلهم على أيدي الجنود أو على يد التنظيم الخاص.

وتنصّ الوثائق على أنّ قسماً من الأرمن كانوا يموتون من الجوع، والقسم الأكبر عبر أبشع أنواع القتل. أمّا النساء فقد كانت عرضة للاغتصاب والاعتداء الجنسي.

تمّ تهجير الأرمن الذين عبروا مئات الأميال من الصحراء السورية سيراً على الأقدام، ومنهم من استطاع النجاة بطريقة أو بأخرى. والشتات الأرمني في العالم اليوم ما هو إلّا نتيجة لهذه الإبادة الجماعية (تمّ خلق هذا التعبير الأخير لوصف هذه المجزرة ومجزرة الهولوكوست).

الخسائر الاقتصادية الناتجة من الإبادة الأرمنية

تُعتبر الخسائر المادية الناتجة عن الإبادة الأرمنية فادحة على الصعيد المالي، إضافة إلى الخسائر البشرية. فكل ممتلكات الأرمن تمّت مصادرتها، وعلى رأسها الممتلكات العقارية التي ما زالت حتى اليوم موجودة، مثل قصر كانكايا والقصر الرئاسي. يُمكن أيضاً الحديث عن الودائع المصرفية وبواليص التأمين التابعة للأرمن، والتي تُقدّر بعشرات الملايين من الليرات الذهبية العثمانية (قسم كبير تمّ وضعه في الرايخبنك).

أمّا في ما يخصّ أملاك الوقف فهي تُقدّر بـ 2700 كنيسة وأشهرها كنيسة القديسة صوفيا، 500 دير وأكثر من 2000 مدرسة تمّ مصادرتها أو تدميرها.

وبحسب تقرير عائد لعدد من الباحثين (تيريو، زياس، ماك كالبين، بابيان 2014)، تُقدّر التعويضات التي يتوجب على الدولة التركية دفعها للأرمن بـ42 إلى 88 مليار دولار أميركي للفترة المُمتدّة من العام 1915 إلى العام 1919، و50 إلى 105 مليارات دولار أميركي للفترة المُمتدة من العام 1915 إلى العام 1923.

هل لتركيا النيّة في دفع التعويضات؟

الجواب بالطبع لا. وهذا يأتي من رفض تركيا الاعتراف بالإبادة الجماعية ضد الأرمن، والذي تمّ الإعلان عنه على لسان أردوغان الذي اعتبر أنّ الاعتراف بالإبادة الأرمنية هي «تحريف للتاريخ». والأصعب أنّ القانون التركي يُجرّم بـ15 سنة سجن كلّ من يصرّح في الصحافة أنّ أحداث العامَين 1915 و1916 هي إبادة جماعية.

لكنّ الأسباب الحقيقية وراء رفض تركيا الإعتراف بهذه الإبادة تتمحور حول واقع أنّ حركة الشباب التركي التي كانت وراء إنشاء الدولة التركية الحالية، ويُعتبر أفرادها أبطالاً وطنيّين في تركيا، هم أنفسهم الذين أمروا بهذه المجازر، والإعتراف بهذا الأمر يضرب أسس الدولة التركية.

أضف إلى ذلك أنّ العامل المالي هو أمر مهم، فتركيا في حال اعترافها بهذه الإبادة ستكون مُلزمة بالتعويض على الأرمن مالياً (ما يفوق الـ 100 مليار دولار) إضافة إلى إعادة مناطق كاملة في شرق تركيا إلى الأرمن والكنائس والأديرة وغيرها من الممتلكات العقارية وعلى رأسها القصر الجمهوري التركي! لكنّ الأهمّ في الأمر يكمن في التعويضات عن الخسائر البشرية والأضرار المعنوية التي تبقى موضوعاً مفتوحاً للقضاء.

لكنّ تركيا التي تطمح للدخول إلى الاتحاد الأوروبي، تواجه عقبتين أساسيتين: الإعتراف بالإبادة الأرمنية، والإعتراف بقبرص اليونانية. والظاهر أنّ تركيا ليست على استعداد للتخلّي عن موقفها حول هاتين النقطتين، ما يعني المزيد من التعقيدات بالنسبة للإقتصاد التركي.

تركيا مُلزمة بالاعتراف بالإبادة الأرمنية

عشرون دولة اعترفت رسمياً بهذه الإبادة في نصوص قانونية في مجالسها النيابية، وعلى رأسها فرنسا التي أصدرت قانوناً مغايراً تماماً للقانون التركي حيث أنّ كل من ينكر الإبادة (أرمنية أو يهودية...) هو عرضة للسجن. كما انّ الرئيس الأميركي أوباما صرّح أخيراً أنّ أحداث العام 1915 في تركيا هي عبارة عن إبادة جماعية.

من هذا المُنطلق هناك خياران أمام تركيا: الإستمرار في رفض الاعتراف بالإبادة الأرمنية، وهذا سيكون له عواقب اقتصادية من ناحية خسارة فرص استثمارية في تركيا من قبل شركات عالمية يؤثر فيها اللوبي الأرمني المُنتشر في العالم.

والذي قد يدفع، بحسب الوزن السياسي للأرمن في البلدان، إلى سنّ قوانين تؤثر في الإستثمارات في تركيا. أمّا الخيار الثاني فهو الإعتراف بالإبادة الأرمنية والتعويض على الأرمن. لكنّ تركيا ستشهد قبول استثمارات واعدة، خصوصاً من قبل الأرمن الذين سيُعاودون ضَخّ الأموال في الاقتصاد التركي، وبهذا تُفتح الأبواب أمام تركيا للانضمام إلى الإتحاد الأوروبي. فهل حزب الـ أ.ك.ب مُستعد لذلك؟