في ظل الاجتياح العنيف الذي ينفذه تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا والعراق، سارعت مجموعة من الكهنة لإنقاذ ما بقي في المنطقة من تراث مسيحي. وقد استطاع بعض الكهنة من إرسالية الدومينيكان أن يأخذوا بأمان العديد من التحف والمخطوطات الثمينة إلى إربيل في كردستان.

كهنة ينقذون مخطوطات تراثية من ايدي المجاهدين

وردت أخبار كثيرة عما مس المسيحيين وغيرهم من الطوائف من مجازر وقطع الرؤوس وأدى كل هذا إلى ذعر الآلاف فهربوا من الجهاديين الذين ما زالو يتقدمون على الأرض. ولا عجب في أرض تعتبر مهد الحضارة أن يثير التقدم السريع الذي يحققه هؤلاء المقاتلون الذعر في قلوب من يسعون إلى صون تراث هذه المنطقة.

إرسالية الدومينيكان لفرع من الروم الكاثوليك أسست قبل 800 سنة وعندما استقرت بعد ذلك في شمال العراق وتجذرت بين الطوائف المسيحية التي كانت قائمة هناك. ولعقود ظل الأب نجيب ميخائيل المنتمي إلى هذه الطائفة يعمل على جمع وصون المخطوطات الدينية الثمينة، والآن مع بروز تنظيم "الدولة الإسلامية" أصبح سعيه هذا أهم من ذي قبل.

"عندما سمع الكهنة باقتراب الجهاديين وضعوا المخطوطات في سيارات وأسرعوا بإبعادها"

لوران لوموان رجل دين من إرسالية الدومينيكان يقيم في باريس ولكنه كان في شمال العراق للمساعدة في الإشراف على عملية الترميم.

إننا نحاول إنقاذ التحف التراثية الثقافية لأن كل شيء في شمال العراق يبدو سائرا نحو الخراب: الناس طبعا وتراثنا الثقافي. وقد تدمرت معظم هذه التحف منذ عقود. ويعيش شمال العراق حالة من التوتر منذ آب/أغسطس لكن الوضع كان سيئا طيلة عقود.

ونقلت هذه المجموعة من التحف عدة مرات من مكانها. إذ كانت في بلدة كاراكوش التي يعيش فيها عد كبير من المسيحيين. ولكن البلدة تعرضت لاجتياح الجهاديين في آب/أغسطس فكان لا بد من نقل هذه التحف إلى إربيل. وعندما سمع الكهنة في هذه الإرسالية باقتراب الجهاديين وضعوا المخطوطات في بضع سيارات وأسرعوا بإبعادها. وأحيانا اضطروا لإبعادها في ظرف 30 دقيقة من صفارات الإنذار.

حاليا المخطوطات في مكان آمن وبعيدة عن أي خطر فوري...على الأقل حتى الآن. ولكن الديانة المسيحية في المنطقة تتعرض لعملية إزالة من الخريطة. ويجدر التذكير أنه بعد أن ظل القداس يقام في الموصل طيلة 1600 سنة غاب هذا العام لأول مرة على الإطلاق [سقطت البلدة في بداية حزيران/يونيو في يد مقاتلي تنظيم "الدولة الإسلامية". ويوم الأحد 15حزيران/يونيو لم يقم القداس في المدينة.]

عام 2015 سنحتفل بالذكرى 800 لتأسيس إرسالية الدومينيكان. وهذه المجموعة التي هي مرجع لنا هي للأخ نجيب وهو كاهن عراقي من إرسالية الدومينيكان. وقد بدأ هذا العمل المضني لجمع وصون المخطوطات بنهاية الثمانينات. وتضم المجموعة مخطوطات متنوعة يتراوح عمرها بين القرنين 14 و16. وقد عثرنا على تحف ثمينة جدا مثل مخطوط قد يرقى إلى عصر الفرنجة الكارولنجيين. وتحوي هذه المجموعة أعمالا لم نر مثلها من قبل وخصوصا بالنسبة إلى الغرب. وهناك مخطوطات تتناول القرآن والجوانب الروحانية والموسيقى والنحو.

العديد من المخطوطات في حالة يرثى لها وسيكون ترميمها عملية دقيقة ومعقدة. إذ يجب العثور عليها وجمعها ثم ضم الأجزاء الممزقة لبعضها وترتيب الصفحات. إنها عملية دقيقة للغاية. ومشروعنا يرمي إلى إعادة إحياء هذه المخطوطات من أجل نسخ مطابقة لجمعها كلها في معرض. سنعرض هذه النسخ في المحفوظات الوطنية في فرنسا في أيار/مايو المقبل.