لم أعتد كمغربي مسلم رؤية مبشرين مسيحيين في شوارع الرباط أو الدار البيضاء مثلاً، لذلك استغربت عندما صادفت دعاة مسلمين في شوارع مدينة بون. أيعقل أن ألمانيا ذات الأغلبية المسيحية، تسمح لمسلمين بالدعوة لدينهم علناً؟

كعادتي عندما أنهي يومي من التدريب في مؤسسة DW، أتجوّل لبعض الوقت في شوارع مدينة بون الهادئة، تقريباً لا شيء جديد يثير انتباهي بعدما بدأت التعوّد على غالبية مرافق هذه المدينة، إلّا أن مشهداً هذه المرة فاجأني: ثلاثة شبان، وضعوا لافتة يظهر فيها رسم للقرآن الكريم، وتحته عبارة "اقرأ". عندما اقتربت منهم اكتشفت أنهم ينتمون إلى جمعية دعوية، تنشر تعاليم الدين الإسلامي.

في بلاد اسمها ألمانيا، غالبية سكانها من المسيحيين، ينشر شباب تعاليم دين آخر في الشوارع العمومية ويوزعون نسخاً من كتابه المقدس بكل حرية واطمئنان. لم يأتِ الأمن الألماني كي يعتقلهم، ولم تحاكمهم الدولة الألمانية بتهمة "التبشير" بدين آخر وزعزعة عقيدة المسيحيين، وعندما تتحدث عنهم بعض وسائل الإعلام بشكل نقدي لا تنظر إليهم في غالب الأحيان كخارجين عن القانون.

في بلاد اسمها ألمانيا، تدقّ أجراس كنائسها كل يوم أحد، يحمل شاب مسلم القرآن الكريم بين يديه، ويدعو إلى دينه بالكلام الطيب. لا أحد شتمه، لا أحد ضربه، ولا أحد قرّر مقاضاته. لم يفرض عليه أن يباشر تعاليمه في السر، ولم يطلب منه أحد أن يحترم مشاعر الغالبية المسيحية، لديه الحق كما لدى غيره، في أن يتحدث عن دينه، عن دين الإسلام في زمن "داعش" و"القاعدة".

أقارن بين هؤلاء الدعاة المسلمين الذين يمارسون نشاطهم بكل حرية، وبين المبشرين المسيحيين الذين يتم اعتقالهم كلما تطأ أقدامهم بعض البلدان الإسلامية، أقارن بين مسلم في دولة ذات أغلبية مسيحية كألمانيا ومسيحي في دولة مسلمة كالمغرب، فأتذكر عندما حاورت شاباً مغربياً اعتنق المسيحية في السر خوفاً من المتابعة. أتذكر كيف سمعت ذات يوم خطبة في مسجد تخللها دعاء على "اليهود والنصارى"، وكيف كانت الأكف تتضرّع إلى السماء كي يتحقق دعاء الشيخ.

توقفت عن المقارنة لبعض الوقت، وسألت شاباً ألمانياً عن نظرته لهؤلاء فقال لي إنهم مواطنون ألمان يمارسون حريتهم، التي تكفلها لهم قوانين البلاد. "هل يستفزونك؟"، كان سؤالي التالي، فأجاب: "لا أبداً." هل تفكر يوماً في التحدث إليهم؟ "ممكن، لكن ذلك لن يجعلني أعتنق الإسلام، فأنا مؤمن بديني".

في طريقي إلى سكني، جلست في الباص بجوار عجوز ألمانية، سألتها عن نظرتها للمسلمين، فأجابتني أنها تعرّفت سابقاً على الكثير منهم، وكانوا أناساً طيبين، إلّا أنها فوجئت من "تحوّل الإسلام مؤخراً إلى دين يشجع قتل الناس والاعتداء عليهم".

أجبتها أن الإسلام لم يشجع يوماً على ذلك، بل على العكس، يوصي هذا الدين باحترام الحق في الحياة، دليلي على ذلك، آية قرآنية تحرّم قتل النفس بدون حق، بل وتعتبر أن قتل إنسان واحد يساوي قتل الإنسانية جمعاء. ابتسمت العجوز قبل أن ترد: أتمنى ذلك.. فلا زالت الذكريات الجميلة مع المسلمين الذين التقيت معهم عالقة في ذهني.

لكن الأنباء المتداولة بشأن قيام مجموعات من السلفيين المتشددين بحملات ودوريات في شوارع مدينة فوبرتال بولاية رينانيا فستفاليا الشمالية، قد تبدد ذكريات هذه العجوز . فقد ذكرت انتشرت قصة دوريات"شرطة الشريعة" في الصحافة الألمانية المحلية كالهشيم في النار وسط ردود فعل يغلب عليها الاستياء والصدمة. ونقلت الصحافة المحلية عن متحدثة باسم شرطة مدينة فوبرتال أن هؤلاء السلفيين يرتدون سترات برتقالية اللون كتب عليها بالانجليزية "شرطة الشريعة"، ويقومون بحث الناس على"الصلاة وترك القمار والمشروبات الروحية".

اقتنعت منذ مدة أن التعميم نوع من الجنون، وبالتالي فليس كل الألمان يحترمون الإسلام. أعتقد أن هناك من يرى المسلمين كـ"متخلفين وأغبياء"، وهناك من يراهم كـ"إرهابيين". لكن هذا يبقى بالنسبة لي مجرّد تفاصيل تأوي الكثير من الشياطين داخلها، تماماً كوعيي أن الكثير من مواطني بلدي يحترمون المسيحيين ويودون لو يعيش الجميع في إخاء بدل الإمعان في تفتيش القلوب والتساؤل من الأحق بالجنة.

لقد اقتنعت خلال هذه الفترة أنه يمكنني كمسلم في ألمانيا أن أصلي وأصوم وأزكي وأقرأ القرآن وحتى أن أطيل لحيتي وألبس الزيّ السلفي القصير، فهنا في ألمانيا مساجد للمسلمين وكنائس للمسيحيين وكُنس لليهود. وفي الجانب الآخر، لعشاق المشروبات الكحولية متاجرهم ومقاهيهم، وحتى للراغبين في الخدمات الجنسية لهم محلاتهم الخاصة. هنا يمكن للإنسان أن يختار الطريقة المثلى لحياته، وما على الآخرين سوى احترام هذه الطريقة، ففي النهاية: لا دين دون حرية اختيار.

وهذه ليست مسألة نظرية مجردة بل واقع في المجتمع، يحليك أي ألماني عندما تناقشه حول الموضوع إلى الدستور الألماني الذي تعتبر الحرية الدينية حق اأساسيا، وهو (الدستور) يضمن أيضا ممارسة حرية الشعائر والطقوس الدينية وإقامة دور العبادة. ولا يقتصر ذلك على الألمان وحدهم بل يشمل كل الناس من مختلف بقاع العالم الذي يعيشون في ألمانيا.

وتبقى سلطة الدولة هي من يسهر على إحترام القانون، ولذلك فقد كان رد السلطات المحلية في مدينة فوبرتال، بتكثيف الشرطة تواجدها في الأحياء التي شوهد فيها عناصر ما يطلق عليه"شرطة الشريعة"، كما طلبت الشرطة من المواطنين لاتصال بها في حال الارتياب في شخص ما. وشددت رئيسة شرطة فوبرتال، بيرغيتار ادرماخر على أن" السلطة الوحيدة المخولة بحفظ النظام والأمن هي الدولة، التي لن تسمح بممارسة أعمال من شأنها الترهيب أو إثارة البلبلة أو الاستفزاز".