"الخروف بأربعين دولار فقط .يا بلاش يا بلاش يا بلاش"

بهذه الجملة جذب تاجر جديد ملتحي بقية تجار سوق المواشي في الموصل إليه قبل أن يجذب المشترين وهم يرسمون علامات الاستغراب لما يعلنه.

كانت المواشي التي معه تكفي لأضاحي كافة بيوت الموصل وتفيض خاصة بعد أن همس له احد الشباب الذي وصل فجأة واخبره: "إن سيارات المواشي التي تنقل الأغنام من ناحية الحمدانية ستصل بعد عشر دقائق".

لم يكن من الصعب أن يفهم التجار إن هذه المواشي هي غنائم لعناصر داعش حسبما يدعون، بعد أن سيطروا على مناطق سهل نينوى وهجروا أهلها من التركمان والشيعة والمسيحيين فضلا عن الازيديين والكرد وصادروا ممتلكاتهم.

وهمس تاجر أربعيني يقولون إن اسمه أبا عمر لتاجر آخر كان يقف بالقرب منه: إن داعش صادرت الآلاف من الأغنام والمواشي من مزارع المهجرين في سهل نينوى كما صادروا كل شيء يخصهم.

وأضاف وهو يحاول أن يتأكد أن لا احد من عناصر داعش يستمع لما يتحدث به وقال: عناصر داعش نقلوا أعدادا كبيرة من هذه الأغنام إلى الرقة السورية، كما أنهم لم يبخلوا على عناصرهم بالولائم من هذه الأغنام.

تعتبر مناطق سهل نينوى وغرب الموصل من ابرز المناطق العراقية في تربية المواشي وخاصة الأغنام، ويعزو الخبراء السبب إلى كثرة الأمطار والمناطق الخضراء التي دفعت قاطنيها من المكونات المختلفة العراقية إلى تربية المواشي والاتجار بها.

لم تكن المواشي هي وحدها التي تم مصادرتها من المهجرين حسبما يروي سائق سيارة الشحن صبحي سعيد الذي عاد من منطقة بعشيقة شمال شرق الموصل محملا بالمواد الغذائية، وقال: استأجر تنظيم داعش شاحنتي لنقل المواد الغذائية من منطقة بعشيقة بعد أن هجرها اليزيديون والشيعة وكذلك المسيحيون.

ويضيف سعيد الذي أرهقته عدد النقلات من بعشيقة إلى داخل الموصل: هناك الكثير من مخازن المواد الغذائية، وكذلك هناك الكثير منها داخل بيوت المهجرين، والتي يوزعها التنظيم على عناصره ومن يتعاطف معهم من الموصليين.

أما المواد العينية فكانت سببا في فتح سوق استحدثه تنظيم داعش وسط المدينة يختص ببيع الأجهزة الكهربائية والأثاث التي يقول التنظيم أنها غنائم حرب.

ويقول عمر عبدالرحمن الذي رفض الحديث معنا بادئ الأمر، إلا انه اخبرنا سريعا وهو يستعرض ما تعرضه (داعش) في هذا السوق: هنا تباع الأثاث والأجهزة الكهربائية بربع الثمن، وهناك تخفيض خاص لعوائل داعش ومن يؤيد تواجههم ويدعمهم.

لم يكن الموصليون جميعهم راضين عما تقوم به داعش تجاه باقي المكونات، خاصة وان عدد منهم رفضوا اخذ المواد الغذائية واللحوم التي يوزعها عناصر الدولة الإسلامية بمحاولة منه كسب تعاطف الناس معهم.

وتقول فاطمة علي والمعروفة بأم محمد في منطقة الساعة بالجانب الأيمن من مدينة الموصل: إن جارتي المسيحية قاطعتني منذ أن هجرت منزلها الذي تسكنه منذ أكثر من أربعين عاما، وقالت لي قبل أن تغادر: "إن الموصليين خذلونا ولم يقفوا معنا بوجه داعش"
ام محمد تشير إلى كنيسة الساعة التي نسب اسمها إلى المنطقة وقالت بحزن: لم أقاوم دموعي عندما قام عناصر داعش بتكسير الصلبان وتماثيل السيدة العذراء وابنها يسوع، كانت جارتي زهور وهي مسيحية لا تنقطع عن الصلاة لهم كل يوم احد وكذلك بأعيادهم.

وقالت وموجة الحزن بدأت تزيد من سيطرتها عليها: أنا اعذر جارتي زهور عما قالته، لكن لم يكن بمقدور أي احد منا إيقاف داعش عن ما كانت تفعله، فهناك ثلاث فرق عسكرية ورابعة للشرطة لم تستطع أن تقاوم داعش فكيف نحن المدنيين.

من الصعب رصد عدد دقيق للعوائل الموصلية التي تم تهجيرها من قبل تنظيم داعش بعد إحكام سيطرته على المدينة في العاشر من حزيران الماضي، إلا أن إحصائيات غير رسمية تقول إن هناك أكثر من مليون مهجر من نينوى غادروا المحافظة إلى خارج العراق وداخله.

أما محمد ابن فاطمة البكر، فقد حدثنا عن العوائل الداعشية التي حلت بدلا عن المهجرين من المكونات الأخرى غير السنية وقال: انهم عوائل تنتمي الى تنظيم داعش من صحراء الجزية والقرى الجنوبية للموصل، وقد وفدت إلى المدينة وسكنت البيوت الفارغة التي أعلنت الدولة الإسلامية امتلاكها.

ويضيف عن استعراض القوى الذي يمارسه أفراد تلك العوائل أمام الأهالي وقال: إن العوائل الداعشية التي سكنت الموصل بدأت ترهب المواطنين من خلال تعمدها نقل الأسلحة وضح النهار وأمام مرأى أعين الناس.

الإرهاب المتصاعد في الموصل دفع عوائل سنية إلى ترك المدينة، خشية استهدافهم من قبل العناصر المتوغلين في كل المناطق، فضلا عن التخوف من قصف طائرات التحالف الدولي، والتي دعت وزارة الدفاع العراقية الموصليين إلى الابتعاد عن مقرات داعش المنتشرة في كل حي وكل شارع.

الموصليون باتوا على يقين أن التغير الديمغرافي الذي أحدثه تنظيم داعش في مدينتهم، لن يسمح بعودة أواصر العلاقات الحميمة التي كانوا يتمتعون بها مع باقي المكونات العراقية، خاصة وان الغنائم لم تقتصر على الممتلكات فحسب بل طالت الآلاف من النساء اليزيديات اللواتي انتهى بهم المطاف بسوق السبايا في الموصل والرقة السورية.