البطريرك ساكو

تصاعد هجرة المسيحين اليوم في العراق مخيفٌ ومقلقٌ جدًا. لي سنة وبضعة اشهر على تسلمي رئاسة الكنيسة الكلدانيّة وزرت معظم المدن ومن عمق واقعنا اقرع اجراس الخطر واعلن اننا كنيسة منكوبة. وإن استمر الوضع على هذا المنوال فسوف لن يكون عددنا بعد عشر سنوات سوى بضعة الاف! اورد مثالا عن الوضع: قبل ايام زرت مدينة الحلة، كان فيها في تسعينيات القرن الماضي 287 عائلة مسيحية، حاليًا لم يبق منها سوى 21 عائلة! وفي بغداد يوجد 21 خورنة كلدانية مفتوحة، تمّ اقفال بعض الاخر او دُمج. في كنيسة الصعود – المشتل على سبيل المثال كان يسكن نحو 5000 عائلة و عدد طلاب التناول الاول كان اكثر من 240 طالب وطالبة قبل سقوط النظام. واليوم 25/4/2014 احتفلت في هذه الكنيسة بقداس التناول الاول لـ13 طالبًا فقط!

الهجرة قائمة ايضًا في اقليم كوردستان الآمِن

من هذا المنطلق ادعو الجميع الى الانتباه الى هذا الكارثة ودراسة اسباب هجرة المسيحين من وطنهم الأمّومعالجتها ووضع حدٍّ لها.

الاسباب معروفة: الحروب والصراعات المتتالية منذ عقود، المناخ الاجتماعي والخدمي السيء الذي خلفه التردي الامني بعد سقوط النظام عام 2003، تنامي التشدد الديني، رسالات التهديد التّي تصلهم، الاستيلاء على ممتلكاتهم، البطالة، تخبط سياسة بعض الدول الغربية وتشجيعها هجرة المسيحيين إليها، غياب رؤية واضحة عند المسيحيين والمسلمين في عيش مشترك افضل، شعور المسيحيين بانحسار دورهم ومكانتهم في وطنهم فضلاً عن الوضع الساخن في عموم المنطقة. والملفت للنظر ان ما يحصل في العراق يحصل الان في سوريا ولربما سينسحب الى بلدان اخرى!

عمليا، السلطات الحكومية تتحمل جزءًا من مسؤوليّة هذه الهجرة بسبب اخفاقها في استتباب الامن والاستقرار. المسيحيون مواطنون اصيلون يستحقون كلّ الاحترام وحماية حقوقهم وحريّتهم وكرامتهم. ومن هنا اتوجه اليهم لكي يعملوا من اجل السلام ويسعوا لإشاعة ثقافة اللاعنف، وقبول الآخر واحترامه من خلال كافة الوسائل المتاحة كوسائل الاعلام ومناهج التدريس في المدارس والجامعات ومراجعة القوانين خصوصًا مواد الاحوال الشخصية، وتشجيع عودة البعض ممن غادر الى بلدان الجوار من خلال تأمين سكن لهم وعمل ومدارس. هذا الامر ليس صعبًا على الدولة لاسيما وأن الاعداد ليست كبيرة.

كما اتوجه الى رجال الدين المسلمين والمسيحين من اجل تكثيف الجهود على ارض الواقع في سبيل الحفاظ على اللحمة الوطنية، وازالة الافكار المسبقة عن الاخر. لنقف أمام إنسانيتنا وقفة تحرر ومصالحة مع انفسنا ومع أخينا الإنسان ونصدر بيانًا مشتركًا يحرم كل اشكال العنف والتخوين والتكفير، ويدعو الى السلم والأُخُوّة بين ابناء الشعب الواحد. أذَكّر بالعلاقات الممتازة بين المسيحيين والمسلمين في فجر الاسلام، كيف كان المؤمن المسيحي مثالا للمسلم وملجأ له في الاضطهاد (النجاشي) وكيف ان القرآن الكريم يحث المسلمين على أن يرتبطوا بعلاقات مودة مع المسيحيين، وان وجد بعض التشكي من فئة منهم، لا يجب تعميمه، خصوصًا ان مسيحيّ اليوم غير نصارى القرن السابع!

اليوم نحتاج الى خطاب عملي يشجعنا على العيش معاً في المحبة والفرح والسعادة. هجرتنا تفقر اخوتنا المسلمين، و بقاؤنا وتواصلنا مصلحة إسلامية قبل ان تكون مسيحيّة. نحن بمهاراتنا ومواهبنا نقدر ان نقدم الكثير كما يمكن ان نكون همزة وصل بين الغرب والاسلام.

الغرب: مراجعة مخططاته بشكل صحيح للحفاظ على تنوع ثقافات هذه البلدان وتعددها والعمل على استتباب الامن والامان فيها، الديمقراطية والتغيير يأتي من خلال التنشئة والتربية وليس عن طريق الصراعات. تدخل الغرب في المنطقة لم يحل ّ مشاكل هذه البلدان بل أنتج على العكس، مزيدًا من الفوضى والنزاع. راحةً لم تتمكن 1400 سنة من حكم الاسلام على اقتلاعنا من أرضنا وكنائسنا وها هي سياسات الغرب تُشتتنا وتوزعنا في كلّ أقاصي العالم.

كذلك على الكنائس الغربية: مد يد العون لتحسين مناطقنا وفتح بعض مشاريع تنموية كالزراعة وتربوية وصحية وخدمية وايجاد فرص عمل لسكان هذه القرى.

وعليه في الختام ، نتساءل: هل يُحتّم على الرجال والنساء الذّين بنوا ماضٍ عريق ان يختفي كلّ أثرٍ لهم، لا سامح الله، من بلاد ما بين النهرَين ( العراق) وأرض أجدادهم؟