بعد سيطرة المعارضة السورية المسلحة على مدينة "كسب" ذات الغالبية المسيحية الأرمنية، حذّرت مصادر أرمنية سورية من هجرة واسعة يقوم بها الأرمن هرباً من الحرب، وأشارت إلى أن نحو ثلثهم تركوا البلاد وعشرات الآلاف منهم نزحوا إلى المناطق الآمنة، فيما قال معارضون سوريون إن هؤلاء مازال لديهم شعور عام بأنهم "جالية وافدة" إلى سورية بحسب وكالة آكي الإيطالية للانباء.

وقالت المصادر السياسية الأرمنية: "يُقدر تعداد الأرمن في سورية قبل تفجر الأزمة الراهنة بنحو 130 ألف، غالبيتهم يسكنون حلب ومدينة القامشلي والبقية تتوزع في مدن وبلدات أخرى مثل دمشق والحسكة واللاذقية وقلة قلية في ديرالزور والرقة، ونحو ثلث أرمن سورية تركوا البلد، وعشرات الآلاف منهم نزحوا إلى المناطق الآمنة في الداخل والساحل السوري ومدينة القامشلي".

وأضافت "إن استمرار الحرب السورية لسنوات أخرى يعني استمرار تدفق المهاجرين الأرمن وعموم المسيحيين السوريين إلى الخارج، وثمة قلق حقيقي على وجودهم في سورية، وهو وجود حضاري وتاريخي أصيل قد يندثر ويتلاشى ما لم تتوقف الحرب" وفق تأكيدها.

وسيطرت المعارضة المسلحة على مدينة (كسب) قبل أيام، وغالبية سكانها من الأرمن، ويُقدّر عددهم بنحو 3500، ورغم أن المعارضة المسلحة لم تقم بعمليات مباشرة ضد سكان المدينة ولا بأعمال سلب ونهب للممتلكات الخاصة، إلا أن مصادر أهلية قالت إن معظم سكانها نزحوا عنها، قبل أن تقصف القوات السورية أطرافها والأحراش المحيطة بها لكشف أماكن المسلحين.

وفي هذا السياق قال المعارض السوري سليمان يوسف الباحث المهتم بشؤون الأقليات: "حيث أعيش (القامشلي) هناك 1350 عائلة أرمنية، غادر المدينة أكثر من 200 عائلة حتى الآن، وطبعاً سقوط بلدة (كسب) الأرمنية على الحدود التركية بريف اللاذقية بأيدي مسلحي المعارضة والمجموعات الإسلامية سيسرع من وتيرة الهجرة الأرمنية من سورية".

وأضاف "لا شك أن الحرب السورية بآثارها الكارثية باتت تشكل خطراً حقيقياً على جميع السوريين وبشكل أكثر على المسيحيين منهم" حيث جعلتهم في دائرة "الخطر الوجودي"، و"تضاعف الخطر عليهم مع تعاظم دور المجموعات الإسلامية المتشددة في هذه الحرب، لقد بدأوا يفرون بشكل جماعي ويتركون سورية بحثاً عن الأمن والآمان، وقبل أيام تحولت قوارب الهروب إلى (نعوش الموت) لعشرات من مسيحيي الحسكة السورية في المياه التركية ـ اليونانية".

وفي ما يخص وضع المسيحيين الأرمن، قال "لقد لعب أكثر من عامل في جعل مصيرهم أكثر خطورة من باقي المسيحيين وفي مضاعفة وتيرة حركة هجرتهم من سورية، في مقدمة هذه العوامل دخول الحكومة التركية على خط الأزمة السورية لصالح المعارضة الأمر الذي أثّر تأثير مباشراً على الموقف الأرمني من الأزمة ودفعهم للتعاطف مع النظام السوري. وهناك عامل آخر وهو نقل مسلحي المعارضة معاركهم إلى مدينة حلب التي تضم أكبر تجمع لأرمن سورية، حيث خسروا الكثير من معاملهم وورشهم ومحالهم التجارية وفقدوا الكثير منهم أعمالهم، ناهيك عن دمار بعض الكنائس الأرمنية".

وأضاف "إن تسلح عشرات الشبان الأرمن في الأحياء الأرمنية مثل الميدان واستعدادهم للدفاع عنها جعل أرمن سورية هدفاً لمسلحي المعارضة خاصة لمسلحي المجموعات الإسلامية المتشددة، فضلاً عن ذلك يجب الانتباه إلى أنه يسود شعور عام لدى أرمن سورية بأنهم جالية وافدة إلى سورية يتبعون الجمهورية الأرمنية".
ويخشى مراقبون أن يتم إستغلال العداء التاريخي بين الأرمن وتركيا لإحياء "الجيش السري الأرمني" الذي نفذ عدة عمليات عسكرية ضد مصالح تركية في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي.

وتعزز شعور الأرمن بأنهم جالية بعد استقلال أرمينيا عن الاتحاد السوفيتي عام 1990، وزاد شعورهم بوجود (وطن قومي)، وقدّمت أرمينيا تسهيلات عديدة لهم كرحلات جوية مباشرة وتسهيلات دخول ومنح الجنسية بدافع إنساني وقومي وسياسي واقتصادي، لكن هذه التسهيلات لم تُغر كثيراً من الأرمن لترك سورية.