على وقع استمرار النزف المسيحي في بلدان عربيّة عدّة مثلَ العراق وسوريا وفلسطين ومصر، وعجز مسيحيّي لبنان والأردن عن تأدية دورهم نتيجة الأجواء السياسيّة الضبابيّة في العالم العربي، حَضَّ «اللقاء العام الأوّل لمسيحيّي المشرق» على «حَمل مشعل الرجاء مُجدّداً، وعدم ترك شعلة الأمل تنطفئ». وأكّد أنّ «التقوقع يُلغي رسالة المسيحيّين، والذوبان يقضي على هويّتهم»، داعياً إلى رسم خريطة طريق، لأن «لا هداية في قلب الظُلمات من دون رؤية واضحة».

رفض رئيس الجمهورية ميشال سليمان أن "تحكم الأكثريّة الساحقة التي تؤدّي إلى هيمنة العدد، ولا أن تحكم الأقلّية المهيمنة التي ينتهي حكمها إلى الديكتاتوريّة".

واعتبر خلال افتتاحه أمس الأوّل "المؤتمر العام الأوّل لمسيحيّي المشرق" في المركز العالمي لحوار الحضارات في الربوة، أنّ "مستقبل المسيحيين لا يكون بالتقوقع والانعزال، ولا بالحماية العسكريّة الأجنبيّة، ولا بما يُسمّى "تحالف الأقلّيات"، لأنّه منطق مواجهة مرفوضة ومشروع حرب دائمة ومدمّرة؛ بل يكون بتعزيز منطق الاعتدال والانفتاح ونهج الحوار في محيطهم"، قائلاً: "إذا سقطت المسيحيّة الحرّة في لبنان انتهى أمرها في الشرق الأوسط كلّه بل في آسيا وإفريقيا".

وأضاف سليمان: "إنّ العيش المشترك السياسي على قياس واحد من المساواة والمشاركة. إنّه يعني أيضاً تحقيق الذات مع الآخر وليس ضدّه أو على حسابه أو ضدّ الذات أو على حسابها. في المقابل، مطلوب من الآخر المُختلف تقديم الهويّة الوطنيّة على الهويّة الدينيّة واحترام الخصوصيّات وتعميم ثقافة التسامح والمحافظة على الأصل التاريخي لهويّة البلد المتعدّد، بعيداً عن ثقافة أحقّية الغالبيّة وغلبتها. إنّ هذا النموذج يحتاج دوماً إلى دولة قويّة بمؤسّسات منبثقة من عمليّة ديموقراطيّة سليمة".

ولفت إلى تلقّيه رسالة من أمير قطر الشيخ تميم، قائلاً: "ننظر إلى مساعٍ حثيثة ونشِطة لتحرير المطرانين بولس يازجي ويوحنا إبراهيم، خصوصاً أنّني تلقّيت رسالة من أمير قطر الشيخ تميم أكّد فيها بذل جهوده القصوى لإطلاق المطرانين، مثلما حصل مع اللبنانيين المُفرج عنهم من اعزاز".

البطريرك الراعي

من جهته، تلا غبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي صلاة شدّد خلالها على أهمية السلام في الحفاظ على الوجود المسيحي، قائلاً: "وجود المسيحيّين في المؤسّسات الوطنية والدولية ضروريٌّ ونافع ومفيد مثل الخميرة في العجين، والملح في الطعام، والنور في الظلمة"، مُحذّراً من مغبّة الهجرة، الخوف، التقوقع والذوبان، "التقوقع يلغي رسالتنا، والذوبان يقضي على هويتنا".

المطران مظلوم

بدوره، اعتبر الأمين العام للقاء مسيحيّي المشرق المطران سمير مظلوم، أنّ "المسيحيين مدعوّون إلى تقديم دليل على الرجاء الذي فيهم، على رغم قلقِهم الوجودي والمبرَّر، نتيجة الضغوطات والتهديدات التي يُعانونها في هذه المرحلة"، مشدّداً على أهمّية انتمائهم إلى المنطقة، "إنتماء الأصيلين لا الوافدين".

وأوضح أنّ لقاء مسيحيّي المشرق محاولة لتقديم جواب على مرحلة التحدّيات التي يمرّ فيها المسيحيّون في المشرق، قائلاً: "نقف اليوم في مؤتمرنا لنجري نوعاً من فحص ضمير، ونتساءل: أين أصبحنا من العيش المشترك والتعاون الأخوي أمام تفلّت الغرائز، والتعصّب الأعمى، والتطرّف الرافض للآخر والذي يدفع المسيحيّون جزءاً من ثمنه، أين نحن؟ وأين صوت إخواننا المسلمين المعتدلين الذين يشكّلون الأكثرية الساحقة، وهم مهدّدون بالتطرّف والتكفير مثل الآخرين؟".

اليوم الأوّل

تناولت أعمال المؤتمر مداخلات من مندوبين من الأردن، فلسطين، العراق، سوريا، لبنان، كما من بلاد الإنتشار.
• شكّل موضوع "الديموغرافيا والهجرة"، المحور الأوّل من اللقاء، ناقش فيه المُتحاورون أبرز أسباب الهجرة: العامل التربوي، الاقتصادي، الأمني، البطالة، التهميش. وشدّدوا على أهمّية الدين في توثيق العرى بين المؤمنين، خصوصاً أنّ الهجرة لا تقتصر على فئة ولا تُميِّز بين طائفة وأخرى، مؤكّدين "أنّ في كلّ مسيحيّ قليلاً من الإسلام، وفي كلّ مسلم قليلاً من المسيحية، والدلائل كثيرة، أبرزها عيد البشارة". وحذّر المتحاورون ممّا هو أخطر من هجرة الوطن، "هجرة الدين، أي الإلحاد"، الذي قد يصيب أيّ بلد.

وتحدّث في المحور الأوّل كلّ من المطران إيليا طعمة من سوريا، النائب روبرت خلف من السويد، النائب خالص ايشوع اسطيفو من العراق، الدكتور جان سلمانيان من لبنان، والدكتور كمال زاخر.

• أمّا المحور الثاني فعالجَ "واقع الحرّيات الدينيّة وممارسة الشعائر" الذي اختلف بين دولة وأخرى وفقَ طبيعة نظامها السياسي والضغوطات التي تمارَس في حقّ المسيحيّين. في هذا السياق، أبدى المتحاورون أسفهم لتحوّل المسيحيين "ورقةً سياسيّة يتلاعب بها الساسة لتحقيق مآربهم"، إلّا أنّهم أجمعوا على أهمّية وجودهم، قائلين: "وإن كانوا أقلّية في العدد، إلّا أنّهم أكثرية في العالم والمعرفة والمحبة والتسامح".

ترأّس حلقة النقاش القسّ حبيب بدر، المُقرِّر رزق زغيب، الأب نبيل حداد (الأردن)، ضياء بطرس صليوا (العراق)، القسّ رياض جرجور (سوريا)، حبيب أفرام (لبنان)، الدكتور نجيب جبرائيل (مصر).

وعلى هامش الندوة، قال مدير مركز التعايش الديني في الأردن الأب نبيل حداد: "نؤمن بأنّ المسيحيّين ينبغى ألّا يتعاطوا مع حضورهم ودورهم من منطلق الخوف، هذا الشعور مرفوض. ولن نسمح لأحد استخدام التخويف ليتدخّلوا في شؤوننا الداخليّة".

وتابع في حديث لـ"الجمهورية": "لا نسعى للحماية الأجنبية، فذلك يُكبِّدنا "فاتورة" باهظة الثمن، ونرفض تسديد الفواتير لأحد. لذا علينا أن ننخرط والمسلمين المعتدلين للعمل على تغيير الذهنية السائدة في عقلية التطرّف والتعصب، والإرتقاء إلى عقلية الإعتدال والشراكة"، معتبراً أنّ خطف المطرانين لا يعني أنّ المسيحيّين مستهدفون، بل يستهدف الإستقرار والأمان والإنسانية، ومن مصلحة المسلمين تعزيز الشراكة المسيحية الإسلامية".

• لم يؤثر النظام السياسي للدول المشاركة على الممارسات الدينية، بل طاول حجم مشاركة المسيحيّين، وقد بدا ذلك جليّاً في المحور الثالث بعنوان "مشاركة المسيحيّين في مؤسّسات الدولة ودورهم في الحياة العامة"، والذي شارك فيه الأب رفعت بدر (الأردن)، كوليت خوري (سوريا)، النائب يونادم كنا (العراق)، الاب طوني خضرا (لبنان)، القس أندريه زكي (مصر). ترأّس الجلسة حبيب أفرام، المقرّر وسام اللحام.

إعتبر المشاركون أنّه لا يكفي دعوة المسيحيّين للتشبُّث في أرضهم، لا بدّ من توفير فرص العمل لهم والتي تضمن بقاءَهم وتصون كراماتهم. واتّفقوا على أنّ الحضور المسيحي يتجاوز الجغرافيا، وهو حضور مؤثّر وفاعل، المسألة أبعد من الأرقام، لأنّ المسيحيين مِلح الأرض، كالخميرة في العجين.

"على سبيل المثال، لا يتجاوز مسيحيّو الأردن أكثر من 3 في المئة، إلّا أنّهم يملكون 35 في المئة من الاقتصاد"، على حدّ تعبير الأب بدر رئيس تحرير موقع "أبونا" الإلكتروني. وأوضح في حديث لـ"الجمهورية": "في المجتمع الأردني حضور مسيحي مؤثّر وفاعل وله بصماته في المجتمع، ولو أنه يحتاج مزيداً من التطوير، أي التنسيق مع الهيئات الكنسية، وهذا ليس عيباً". واعتبر أنّه "يصعب المضيّ في مسيرة الخدمة من دون التعاون مع المواطنين ونبذ التعصّب والتصدّي للفرق التبشيرية الحديثة، فالتبشير في القيم وليس بالكلام".

اليوم الثاني

"وضعُ المسيحيين ودورهم على الصعيدَين الاقتصادي والاجتماعي" شكّل مدار بحث المحور الرابع، أكّد فيه المتحاورون صعوبة الفصل بين الوضع الاقتصادي والاجتماعي عن السياسي. في هذا الإطار، قال نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في مؤسّسة "الأهرام" أحمد جاد: "في حال التضييق على المسيحيّين في العمل السياسي، يصعب عليهم الانخراط في المؤسسات وأخذ دور فاعل، ما يولّد حال نفور في نفوسهم ويدفعهم إلى الهجرة".

وأوضح في حديث لـ"الجمهورية": "عدم الترقّي في الوظائف العامة دفع عدداً كبيراً من الأقباط إلى العمل في القطاع الخاص، ومَن عجز عن إيجاد مقعد اختار الهجرة"، مؤكّداً: "على رغم أنّ المسيحيّين يشكّلون 17 في المئة من مجموع سكّان مصر، إلّا أنّهم شكّلوا عصب التظاهرات التي أطاحت الرئيس محمّد مرسي، واليوم يجنون ثمار هذا العمل من خلال التوافق مع الغالبيَّة المُسلمة لبناء دولة مدنيّة حديثة".

وقد شارك في الجلسة: الدكتورة لبنى عكروش (الأردن)، الدكتور عماد جاد (مصر) والدكتور رودلف القارح، المقرّر نبيل معمرباشي، رأسَها القمّص بولس حليم بخيت.

المطران لوقا من سوريا

إعتبر المطران لوقا الخوري نائب الأمين العام لقاء مسيحيّي المشرق أنّ مفاعيل المؤتمر المستقبلية هي التي ستحتّم مدى جدّيته. وفي الوقت نفسه، لم يخفِ خشيته على الوجود المسيحي في المنطقة، فقال في حديث لـ"الجمهورية": "لا شكّ في أنّنا نتخوّف على وجودنا، تزامناً مع تنامي تيارات إجراميّة تؤذي المسيحيّة والإسلام، تأكل قلوب البشر وتقطع رؤسهم، لذا يجب أن نكون لها بالمرصاد. كذلك، نرفض أن تكون قوّة المسيحيّين في إضعاف غيرهم، إذ تكمن قوّتهم في نفوسهم وتعاضدهم".

وشدّد الخوري على أهمية مواصلة الضغط اللوبي المسيحي، قائلاً: "لن نستطيع التوصّل إلى أيّ نتيجة واحدة ولو انعقد مئة مؤتمر، لذا يجب أن نتكلّم مسيحيّاً، فلا نقول هذا أرثوذكسي، وذاك ماروني، وآخر كاثوليكي... إنّما موحّدين مثلما أرادنا المسيح".

الشيخ شرارة من «الشيعي الأعلى»

حرص فضيلة الشيخ عبد الحليم شرارة مدير التبليغ الديني في لبنان التابع للمجلس الشيعي الأعلى، على متابعة أدقّ تفاصيل اللقاء، لإيمانه بأهمّية العيش المشترك. وقال في حديث لـ"الجمهورية: "يشكّل المؤتمر مدخلاً مهمّاً في توسيع المساحة المشتركة وتوطيد العلاقات، لذا وجدنا مشاركتنا مفيدة ومثمرة على الأصعدة كافة". وأضاف: "لا شكّ في أنّ هذا المؤتمر سيكرّس هذه الأبعاد بوضوح، وسيخلق الوعي المفيد للمجتمعات، سواءٌ في لبنان أو خارجه، لعدم الوقوع فريسة الفتن التي تتحرّك هنا وهناك".

أبرز التوصيات

على رغم تأكيد المطران مظلوم أنّ البيان الختامي "توصيفيّ ليومَي المؤتمر"، وأنّ المجال مفتوح لتلقّي الاقتراحات وعرضها على رؤساء الكنائس قبل وضع خريطة طريق، والانتقال إلى خطوات تنفيذية، فإنّ مِن بين المشاركين مَن سجّلوا ملاحظاتهم، فاستُتبِع البيان بورقة إضافية.

بعد تمديد موعد انتهاء المؤتمر، خلص المتحدّثون إلى دعوة المسيحيّين المشرقيين للتشبُّث بأرضهم، ولا سيّما في هذه الظروف العصيبة التي تمرّ بها المنطقة، لمواجهة التحدّيات المتفاقمة ورفض الخوف والتخويف.

أنهى المؤتمر أعماله، إلّا أنّ لجنة المتابعة المنبثقة عنه قرّرت إبقاء اجتماعاتها مفتوحة لتنفيذ المهمّة التي أناطها بها المجتمعون في تطوير "لقاء مسيحيّي المشرق" من خلال وضع استراتيجية وبرنامج لتثبيت الوجود المسيحي في بلاد المشرق.

وفيما لم تُلبِّ توصيات المؤتمر طموحَ بعض المراقبين الذين وصفوها بالـ"خجولة"، تحلّى آخرون بالتفاؤل في انتظار مفاعيل المؤتمر.
وتوقّف مراقبون عند نداء البطريرك غريغوريوس الثالث لحّام الذي أكّد لـ"الجمهورية" "أهمّية إشراك العلمانيّين وتوسيع عملهم كونهم الخميرة"، آملاً التمسُّك بالوحدة العربيّة، "لأنّ التفرقة تؤذي المسيحيّة والإسلام على حَدّ سواء"، داعياً إلى "دعم مؤتمر "جنيف - 2" لحَلّ الأزمة السوريَّة"، ومُتمنّياً عودة المطرانين سالمَين.