عندما أراد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعم حجته أن الثوار هم الذين نفذوا هجمات الغاز السام بالقرب من دمشق في الحادي والعشرين من أغسطس (آب)، أشار إلى عمل الأم أغنيس مريم دولاكروا راهبة لبنانية المولد، تبلغ من العمر 61 عاما، والتي توصلت إلى أن الفيديوهات الصادمة التي تظهر مئات القتلى وضحايا الغاز، بينهم الكثير من الأطفال، أعدت سلفا لتقديم ذريعة للتدخل الأجنبي.

وقالت الراهبة أغنيس مريم الصليب، بابتسامة عريضة خلال المقابلة التي أجريت معها في هذه المدينة اللبنانية الجبلية: «إن لافروف رجل ذكي، ولن يقرن اسمه بشخص يتحدث بكلام أخرق».

لا تملك الأم أغنيس التي عاشت في سوريا سنوات أي خبرة أو تدريب في مجال الطب الشرعي الخاص بالأسلحة الكيماوية أو صناعة الأفلام، وعلى الرغم من وجودها في دمشق وقت وقوع الهجمات، فإنها لم تزر المواقع أو تجرِ مقابلات مع الضحايا. مع ذلك فان تأكيداتها، التي لم تحدد الجانب الذي أعد الفيديو، رفعت على نحو واضح من مكانتها المتواضعة كرئيسة لدير سان جيمس، دير الروم الكاثوليك الملكيين في وسط سوريا.

تلقت الأم أغنيس، عقب هذه التصريحات، إشادات واسعة من مناصري الرئيس السوري بشار الأسد على دعمها رواية النظام، في الوقت الذي وجه إليها ناشطو المعارضة انتقادات كثيرة، وأعربوا عن شكوكهم في دعم الحكومة لها كسفيرة غير رسمية للنظام.

من جانبها، رأت المنظمات الحقوقية الدولية في إشارة لافروف إلى عمل الراهبة التي لا تتمتع بالخبرة علامة على الإحباط. وقالت لاما فقيه، الباحثة السورية في منظمة هيومان رايتس ووتش: «الحقيقة أن اعتماد الحكومة الروسية على تقييم هذه المرأة لما حدث يؤكد افتقارهم للأدلة على حجتهم، فهي لا تتمتع بخبرة عسكرية».

من ناحية أخرى، أثارت مساعدات الأم أغنيس لصحافيين أجانب في الحصول على تأشيرات دخول إلى سوريا الشكوك بشأن كونها موضع ثقة النظام. كما نشرت أرملة وزميلا غيلس جاكوير، الصحافي الفرنسي الذي قتل في حمص العام الماضي، كتابا أشاروا فيه إلى أنها شاركت في مكيدة قاتلة نصبتها الحكومة.

لكن الأم أغنيس رفعت دعوى قضائية بالتشهير ضدهم منكرة أي صلة لها بالحكومة ولم تعبر عن دعمها للأسد. وأشارت إلى أنها انتقدت الاحتلال السوري للبنان، الذي انتهى في عام 2005، وأن المروحيات الحكومية قصفت المنطقة القريبة من دير سان جيمس ثلاث مرات ما تسبب في دمار المنطقة. وأشارت إلى أن ما يشغلها هو مصلحة السوريين في المقام الأول، وقالت إن على القوى العظمى ألا تتدخل حتى يتمكن السوريون من حل مشكلاتهم.

وقالت: «هذه ليست سياسة، بل هو عمل إنساني»، لكنها رفضت التصريح باسم الجهة التي تعتقد أنها قامت بعمل هذه الفيديوهات التي وصفتها بالمفبركة، أو الذين تظن أنهم نفذوا الهجمات. وقالت: «لا يمكنني إلقاء التهم ولن أفعل»، لكنها عبرت شكوكها في أن بعض الأطفال الذين ظهروا في الفيديوهات اختطفوا من مقاتلي تنظيم القاعدة من القرى العلوية الواقعة على بعد أكثر من 150 ميلا، نفس وجهة النظر التي عبر عنها المسؤولون السوريون.

وتجسد الأم أغنيس بعباءتها البنية الفضفاضة، وغطاء الرأس الأبيض والحجاب الأسود والصندل المطاطي مع الصليب الكبير حول عنقها، حياة ورع كانت حتى وقت قريب بعيدة عن السياسة في الشرق الأوسط.

ولدت ماري فاديا لحام في بيروت، وتعلمت في مدارس الراهبات الفرنسيات، ومع وفاة أبيها في سن الخامسة عشرة سقطت في دائرة من الأسئلة الوجودية، بحسب قولها. وأضافت بابتسامة: «أدى بي هذا لأن انضم إلى الهيبيز».

خلال تلك الفترة انضمت إلى مجموعة من الأجانب الذين قدموا إلى لبنان لشرب المخدرات، وقالت: «الماريغوانا اللبنانية هي الأفضل في العالم»، ثم سافرت إلى الهند والتيبت قبل العودة إلى الدين مرة أخرى. وفي سن التاسعة عشرة صارت راهبة في سلك الكرميلة، حيث قضت الاثنين والعشرين عاما الماضية. قضت الكثير من هذه السنوات خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاما، تساعد في إغاثة عائلات النازحين.

ثم انتقلت فيما بعد إلى سوريا لتقود دير سان جيمس وتشرف على العاملين في الدير الذي يضم ثلاثة رهبان واثنتي عشرة راهبة في مدينة قارا بإبرشية حمص.

وتضيف أغنيس أنهم علموا بأنباء الثورة التي اندلعت في سوريا عام 2011 من القصص التي كان يرويها العمال، لكنها صارت أكثر انهماكا في العمل نهاية ذلك العام عندما شرعت في بحثها الخاص.

وأشارت إلى أنها اكتشفت من خلال حواراتها مع السوريين ورجال الدين في البلاد عن «الدعاوى الكاذبة للربيع العربي»، مشيرة إلى أن تلك لم تكن انتفاضة شعبية لمواطنين حانقين على الركود الاقتصادي والقمع السياسي، بل مؤامرة نسجت خيوطها القوى الدولية لتدمير سوريا.

وقالت إن الأعمال القمعية الوحشية التي ارتكبتها الحكومة بحق المتظاهرين السلميين من تدبير وسائل الإعلام ونفت التحول البطيء لحركة المعارضة إلى الثورة المسلحة، قائلة إن الثوار سارعوا إلى العنف. وأشارت إلى الوضع الراهن، حيث قتل ما يزيد على مائة ألف، وتوترات طائفية مريرة وجهاديون يسيطرون على مساحات كبيرة من الأراضي، كدليل على صدق ما ذهبت إليه.

وقالت، مشيرة إلى فشل العالم في حل الأزمة السورية: «ما حدث هو تدخل نصف العالم في الشؤون السورية، تسلل مقاتلون أجانب إلى سوريا وأعادوا إنتاج (القاعدة) وهددوا حياة المدنيين. نحن هنا ولم نحقق شيئا، لقد دمرنا سوريا».

دفعت الأم أغنيس ثمنا لتصريحاتها هذه، فقد حذرها الثوار القريبون من الدير هذا العام من أن مقاتلي الثوار يريدون اختطافها ولذا ساعدوها على الهرب، ولم تعد إلى الدير منذ ذلك الحين.

وفي أعقاب الهجمات الكيماوية التي وقعت الشهر الماضي، حبست الأم أغنيس نفسها في غرفتها في فندق بجنيف تمعن النظر في فيديوهات القتلى على حاسبها، لا تغفو سوى لحظات ولا تقتات إلا على الماء. وتذكر تلك الفترة بالقول: «كانت أشبه بالتردي في الهاوية». وأوضحت أنها قدمت النتائج التي توصلت إليها لدبلوماسيين أجانب ومسؤولين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في تقرير يتألف من 50 صفحة أشارت فيه إلى ما اعتبرته فيديوهات غير متسقة، وتساءلت عن السبب في وجود صورة محدودة للنساء وعمليات الدفن، وهو ما استشهد بها لافروف بعد عدة أيام.

نال عملها ثناء كبيرا من مؤيدي الأسد، الكثيرون منهم من الأقلية المسيحية، التي تشكل نحو 10 في المائة من السكان والذين تجنب غالبيتهم الحرب. وقالت امرأة مسيحية من دمشق في مقابلة معها عبر الهاتف، لم تذكر سوى اسمها الأول، أليسار، لأسباب أمنية: «إنها (الأم أغنيس) مخلصة وتحب سوريا والمسيحيين. إنها شجاعة ولا تخشى قول الحق».

لكن سيد أحمد حموشي، مراسل سويسري ساعد في تأليف كتاب يتهم الأم أغنيس بالتواطؤ في موت زميله كان له وجهة نظر مختلفة، فقال: «لقد دافعت عن النظام ولعبت بورقة المسيحيين. نحن نعلم جيدا أن بشار يريد اللعب بورقة المسيحيين ولا يزال يفعل».