فتح "الجهاديون" من مسلحي المعارضة السورية معركة جديدة، ولكن هذه المرة في بلدة معلولا التاريخية في ريف دمشق. وقد شهدت أشهر المدن المسيحية في المنطقة والعالم، أمس اشتباكات عنيفة بين المسلحين المتطرفين وعناصر الجيش السوري، حتى تمكن المسلحون من السيطرة على أجزاء واسعة من المدينة التاريخية.

وبدأت الاشتباكات بعد قيام انتحاري أردني الجنسية باقتحام حاجز معلولا الواقع على الطريق الدولي بين حمص ودمشق، على مسافة 50 كيلومتراً من العاصمة، مفجراً نفسه بسيارة مفخخة، ما أسفر عن مقتل ثمانية عسكريين سوريين على الأقل وإصابة آخرين. وأكّد مصدر ميداني "جهادي" لـ"السفير" أن نسف الحاجز جاء بمثابة خطوة أولى في "معركة تحرير معلولا". وقال "نعم إخوتنا المجاهدون أعلنوا بدء معركة فتح عاصمة الصليبيين"، مضيفاً "قام أخ مجاهد اسمه أبو هيثم الأردني باقتحام حاجز الجيش النصيري بسيارة مفخخة، تبعها بدء دخول إخوتنا المجاهدين الى المدينة لتحريرها".

وتتشابه طريقة اقتحام الحاجز مع تلك التي اتبعها "جيش المجاهدين والأنصار" في اقتحام مطار "منغ" العسكري في ريف حلب الشمالي، حيث اقتحم انتحاري سعودي بوابة المطار قبل ان يتدفق المسلحون الى داخله. ووفقاً للمصدر ذاته، فإن عملية الهجوم على معلولا تتم بالتنسيق بين عدة تنظيمات إسلامية متشددة، هي "جبهة النصرة في القلمون"، و"حركة أحرار الشام الإسلامية"، و"جبهة تحرير القلمون التابعة لألوية أحفاد الرسول". وفي المقابل أكد مصدر عسكري سوري لـ"السفير" حدوث اشتباكات داخل معلولا. وشرح "تسللت مجموعات من الإرهابيين وقام أفرادها بالانتشار داخل البلدة وترهيب سكانها، ودارت اشتباكات عنيفة أرغمتهم على الانسحاب والتمركز في محيط فندق سفير معلولا، ولا تزال الاشتباكات مستمرة".

وأكدت مصادر من السكان حدوث الاشتباكات وتمركز المسلحين في محيط الفندق، مضيفة أن "طوافات الجيش السوري تدخلت في الاشتباكات، بالتزامن مع وصول تعزيزات للجيش السوري". ولاحقاً، عاود المسلحون انتشارهم بعد وصول مجموعات جديدة منهم، وأفادت مصادر من السكان لـ"لسفير" بأن المسلحين تمكنوا من بسط سيطرتهم على أجزاء واسعة من البلدة، ونفذوا انتشاراً جديداً فيها، وتمركزت أعداد منهم في ساحة البلدة بدءا من الساعة السابعة مساء، وشوهدت أعداد كبيرة من السيارات المزودة برشاشات الدوشكا في معظم أحياء البلدة، بالتزامن مع انخفاض حدة الاشتباكات. وقال مصدر ديني فضل عدم الكشف عن اسمه لـ"السفير" إن "ما تشهده معلولا يُدمي القلب، شأنه شأن ما يحصل في عموم الأراضي السورية، وكنا نتمنى تحييد البلدة احتراماً لما تمثله مقدساتها من رمزية خاصة للمسيحيين في أنحاء العالم".

وأكد المصدر، الذي غادر معلولا قبل أيام، أن "دير الروم الكاثوليك في معلولا، قد أقفل مؤخراً بسبب التهديدات المتتالية التي كانت تصلنا"، مشيراً إلى أن الهجوم الذي تعرضت له البلدة "يتزامن مع عدد من المناسبات والاحتفالات الدينية التي كانت قبل الأزمة تجتذب إليها زائرين من مختلف أنحاء العالم، للاحتفال بعيد الصليب الذي يصادف الرابع عشر من أيلول، وعيد القديسة تقلا في الثاني والعشرين من أيلول". وأضاف المصدر الديني أنه "لن نتوقف عن رفع الصلوات على نية حماية مقدساتنا، ووضع حد لسيل الدماء على تراب وطننا السوري الحبيب". تقع معلولا على السفوح الشرقية لسلسلة جبال لبنان الشرقية، وتبعد حوالي 50 كيلومتراً إلى الشمال ـ الغربي من دمشق. وتعتبر البلدة معلماً مسيحياً هاماً، يضم عدداً كبيراً من الكنائس والأديرة، ويعود معظمها إلى القرون الميلادية الأولى، ومن أهمها دير "مار تقلا"، الذي يقال إنه يضم رفات القديسة تقلا تلميذة القديس بولس. وما زال سكان معلولا يتكلمون اللغة الآرامية (السريانية) لغة المسيح حتى اليوم، إلى جانب اللغة العربية. وبالتزامن مع المعارك الدائرة في معلولا، دارت اشتباكات عنيفة في عدة نقاط من هضبة القلمون، كانت مدينة الرحيبة مسرحاً لأعنفها، حيث دخلها مسلحون تابعون لـ"لواء الإسلام"، واتخذوا منها نقطة تمركز لمهاجمة "اللواء 81"، قبل أن يعاودوا التمركز فيها.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الاشتباكات "قد توقفت ظهراً بعد تدخل عدد من وجهاء القلمون وبدئهم مفاوضات مع الأطراف المتقاتلة في مسعى لتأمين خروج المدنيين من الرحيبة". يذكر أن بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام، أعلن أمس الأول أن حوالي 450 ألف مسيحي سوري هجروا بيوتهم إلى مكان آمن داخل سوريا أو إلى خارجها منذ اندلاع الأزمة في آذار العام 2011، محذرا من ان الحرب على سوريا قد تؤدي الى تدمير الوجود المسيحي فيها