تدفع الأحداث الدامية التي شهدتها مصر مؤخرا بين مسلمين و بين مسيحيين للتساؤل عن الأسباب الحقيقية لمثل هذا التوتر، وعما إذا كان هناك استغلال للعامل الديني من أجل تحقيق سيطرة سياسية على الدولة المصرية الناشئة.

ما زال السبب المباشر لأحداث العنف الطائفي الأخيرة في مصر وتحديدا في بلدة الخصوص ثم امتداد ذلك إلى الكاتدرائية المرقصية في العباسية في القاهرة يثير جدلا في المجتمع المصري.

إذ تقول إحدى الروايات أن رسم شاب مسيحي لصليب على جدار مسجد في بلدة الخصوص كان السبب الذي أدى إلى تبادل إطلاق الأعيرة النارية بين مسلمين وبين مسيحيين. فيما تذهب رواية أخرى إلى أن شابا مسلما تحرش بفتاة قبطية فتجمع شباب مسيحيون لحمايتها واندلعت مشاجرة تطورت إلى إطلاق نار.

بالمحصلة وبغض النظر عن السبب ، سقط أربعة قتلى مسيحيون وقتيل مسلم واحد. لكن الأمور لم تنته هنا، إذ هاجم مسلمون الكاتدرائية المرقصية في القاهرة وكانت مسرحا لأحداث عنف جديدة أسفرت عن قتيلين وعشرات الجرحى.

الدين ليس العامل الأساس
الجديد في الأحداث هذه المرة هو التغير الذي حصل في المجتمع المصري، كما يوضح جمال سلطان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية. ففي الماضي كان المحرك للاحتكاكات بين الطرفين هو الدافع الديني، أما الآن فالدافع – كما يرى سلطان – هو الصراع على تحديد هوية مصر السياسية والدينية: "الأقباط يرون بأن هويتهم ستكون مهددة في ظل دولة إسلامية، ولذا فهم يقفون مع القوى العلمانية".

ولكن هذا لا يعني بأن خصوم الرئيس الإسلامي مرسي هم كلهم من العلمانيين والأقباط، كما يؤكد الصحفي أشرف خليل، الذي أعد دراسة شاملة حول الثورة المصرية، "من بين خصوم مرسي السياسيين هناك الكثير من المسلمين – المسلمين الملتزمين بالدين، حتى هم لا يثقون بمرسي وبالإخوان".

و يبدو أن هناك علامات استفهام على أداء وزارة الداخلية ، فقد أظهرت مقاطع الفيديو للاشتباكات الأخيرة حول الكاتدرائية القبطية في القاهرة وقوف رجال الشرطة دون اتخاذ أي إجراء بحق من يتسلق سور الكنيسة أو يرمي باتجاهها المقذوفات من حجارة ومولوتوف وغير ذلك. الصحفي كريم الجوهري تحدث الى دي دبليو عن غياب للحقيقة التي تتيح إصدار حكم قاطع حول من يقف خلف الأحداث ومن ساهم بها. وحمل غياب الحقيقة هذا لضعف دور وزارة الداخلية.

وقد وجه البابا تواضروس الثاني بطريرك الأقباط الأرثوذكس انتقادات حادة للرئيس محمد مرسي حيث اتهمه بـ"التقصير" في حماية مقر الكنيسة المصرية التي وصفها بأنها "رمز وطني" وذلك بعد تعرضها الأحد إلى اعتداء غير مسبوق في تاريخها.

"ورقة الفتنة الطائفية"
الاحتقان الطائفي حتى على الصعيد الشعبي أمر لا ينكره المصريون، وقد شهد البلد أحداث عنف مشابهة وربما أشد خلال السنوات الماضية، كما حدث في إمبابة عام 2011، وقبلها في ظل نظام الرئيس السابق حسني مبارك. ولكن الجديد في هذه الأحداث، كما يقول الصحفي المصري كريم الجوهري: "هو أن الرئيس من جماعة الإخوان المسلمين".

الكل يحملون الحكومة المصرية وعلى رأسها الرئيس محمد مرسي المسؤولية الأخيرة عن التدهور الأمني والعنف المتصاعد. ولكن عماد جاد، الكاتب القبطي البارز، يتهم وبكل صراحة جماعة الإخوان المسلمين باستخدام "ورقة الفتنة الطائفية"، ويفسر جاد اتهامه هذا بالقول: "جماعة الإخوان المسلمين وبعد أن فشلت في إدارة شؤون البلاد لجأت إلى الورقة الأخيرة التي سبقها إليها السادات ودفع حياته ثمنا لها ولجأ إليها مبارك بشكل مكثف، وهو ورقة قسم البلد دينيا، بحيث يحدث نوع من الانقسام بين المسلمين والأقباط، وبالتالي ضنا منهم بأنهم يستطيعون الحصول على أغلبية أصوات المسلمين وبالتالي الحكم على أساس ديني".

ويسوق الكاتب جاد استنتاجات تدعم كلامه فيقول بإن الدليل على تورط الإخوان في العملية: "أولا أنهم غضبوا جدا من الكنيسة المصرية بسبب تضامنها مع الأزهر في قضية تسمم طلاب جامعة الأزهر، ومن أن شباب ماسبيرو من الأقباط شاركوا في مسيرة دفاعا عن شيخ الأزهر". ثم يعدد اتهامات وجهها "قيادات من جماعة الإخوان" للكنيسة بأنه "لديها ميليشيات، وأنها تقف وراء ظاهرة البلاك بلوك".

من جانبه، يرى الصحفي كريم الجوهري أن هذا الاتهام غير منطقي، "لأن الإخوان يسعون لتحقيق الاستقرار بأي شكل" ليسهل عليهم توطيد حكمهم. ويتفق مع هذا الرأي جورج اسحق، منسق حركة كفاية، الذي يرى بأن المسألة ليست مرتبطة بالإخوان المسلمين، قدر ما هي مسألة احتقان طائفي متراكم منذ عقود، بسبب غياب الحقائق والتوجهات الخاطئة للدولة في معالجة الموضوع، رغم التحذيرات المتواصلة التي تطالب بآليات لعلاج الأمر.

مستقبل شائك
أسباب هذا الاحتقان عديدة كما يرى جورج اسحق، ولعل من أهم هذه الأسباب هي "الفضائيات المسيحية والإسلامية" المتشددة التي يجري تأسيسها والسماح ببثها دون ضوابط، لتتحول إلى "ساحة للسجال الديني الذي سيؤدي إلى التحريض والفوضى، وأصبح كل من يعلم ومن لا يعلم يفتي".

ولا يقتصر الأمر على الإعلام، كما يرى اسحق، الذي يشير إلى أن التعليم في المدرسة يجب أن يساهم في الحل وليس في صنع المشكلة، وكذلك القوانين المقيدة، وبناء دور العبادة وتولي المناصب على أساس الكفاءة.

ويقترح اسحق بأن تشكل لجنة عليا أو مجلس قومي يتكون من "الأزهر والكنيسة وكل القوى المهمة، تكون مهمته بحث أسباب الاحتقان بشكل شامل"، ووضع سياسة وطنية شاملة لحل المعضلة. وهو ما يطالب به الصحفي الجوهري أيضا، حيث يرى بأن أحداث عنف مثل هذه ستتكرر في المستقبل، ما لم يتم الإسراع في معالجة الأمر بشكل شامل.