تشهد ألمانيا ظاهرة تتجلى في إغلاق الكنائس وبيعها نظرا لتراجع عدد المصلين أو لأسباب تمويلية. غير أن تحويل بنايات الكنائس إلى مرافق لا ترتبط بالمهمات الدينية لا يجد ترحيب كل المواطنين، مثلا في بلدة هيرنه.

تغمر الأضواء الصالون الكبير الذي تم تزيينه بنخلة اصطناعية وسلسلة من الفوانيس الصغيرة وغير ذلك من الأثاث المنزلي. المطبخ مفتوح على غرفة الطعام، وفي جانب آخر من منه هناك أريكة كبيرة ينبعث منها مناخ الشعور بالراحة.


ولكن ماذا يدعو إلى العجب أو أن يكون للزائر هناك شعور وكأنه في بيت من الطراز الأمريكي؟: " شئ جميل جدا أن يكون للمرء بيت واسع مثل هذا!" هذا ما يؤكده أوفه كوخ، الذي يسكن هذا البيت مع أسرته، ليس في الولايات المتحدة بل في بلدة هيرنه شمال غرب ألمانيا.

قبل 13 عاما اشترى أوفه كوخ وزوجته تلك البناية التي تم استخدامها سابقا كنيسة للطائفة الإنجيلية المتجددة في منطقة هيرنه هورستهاوزن. وقام الزوجان بإدخال بعض الإصلاحات على البناية مثل الدرج الذي يؤدي إلى الطابق الثاني والثالث. في ذلك المكان بالضبط كان في الماضي مذبح الكنيسة وكراسي المصلين. غير أنه مع الرحيل المستمر لأتباع الكنيسة عن تلك المنطقة وارتفاع عدد الأسر المسلمة هناك وجدت إدارة الكنيسة نفسها مرغمة على بيع البناية إلى الخواص.

إغلاق الكنائس- ظاهرة جديدة؟

ليست هيرنه المثال الوحيد على هذا التطور: "فإغلاق دور العبادة أو تحويلها إلى أماكن عادية لغير الاستخدامات الدينية – هي ظاهرة تشهدها في الوقت الحالي أوروبا الغربية، في شمالها ووسطها وكذلك في أمريكا الشمالية بشكل جزئي "، حسب هانس- بيتر غروسهانس، أستاذ علوم اللاهوت بجامعة مونستر الألمانية. ويشير إلى أنه لم يعد بإمكان الكثير من دور العبادة تمويل نفسها بنفسها نظرا لتراجع مستوى النمو الديموغرافي من جهة، ومن جهة أخرى بسبب ارتفاع عدد الذين أداروا ظهرهم للكنيسة.

متحف آيا صوفيا في اسطنبول كان في البداية كنيسة قبل أن يتحول إلى مسجد ثم إلى متحف.
متحف آيا صوفيا في اسطنبول كان في البداية كنيسة قبل أن يتحول إلى مسجد ثم إلى متحف.

ويرى البعض أنه من الأفضل استغلال مداخل بيع الكنائس وما يتم صرفه من أموال لصيانة البنايات الكنائسية غير المستخدمة، في تمويل أنشطة دينية أخرى. ويوضح الأستاذ غروسهانس في حديث مع DWأن موضوع إغلاق دور العبادة لا يُطرح في مناطق أخرى من العالم: "فأعداد المسيحيين في تزايد مستمر، خاصة في أمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا وكذلك في شرق أوروبا، حيث يتم هناك حاجة لبناء كنائس جديدة."

وتعتبر ظاهرة إغلاق دور العبادة أو تحويلها إلى بنايات لاستخدامات غير دينية أمرا معروفا على مدى التاريخ، والامثلة كثيرة على كذلك، حيث حدث ذلك في الدول التي دخلها الإسلامأو مثلا في الدول الشيوعية قبل فترة قصيرة. فالدولة هي التي نشطت في إغلاق دور العبادة. "لكن الجديد في الأمر أن الكنائس هي التي تأخذ حاليا قرار الإغلاق وتحويل مهمات البنايات الدينية تحت ضغوط مالية أو بسبب تراجع عدد أتباع الكنيسة بشكل ملحوظ"، كما يقول البروفسور هانس-بيتر غروسهانس.

الكنيسة والاستخدامات المحظورة

وإذا ما تحولت البنايات الدينية إلى رياض للأطفال مثلا، فإن إدارتها تبقى على الأقل بيد الكنيسة. ولكنها في أحيان أخرى يتم بيع تلك البنايات الى الخواص. ويقول هورست كناوف من الطائفة الإنجيلية المتجددة في هيرنه: "نحن نفضل طبعا أن تباع الكنسية لمسيحيين آخرين يستخدمون البناية". وعادة لا تُباع الكنائس لأشخاص أو شركات تعمل في قطاع لعب القمار أوالدعارة أو حتى كسوبر ماركت، وفق البروفسور غروسهانس.

عائلة أوفه كوخ تشعر بالراحة والاطمئنان في البناية التي كانت كنيسة من قبل.
عائلة أوفه كوخ تشعر بالراحة والاطمئنان في البناية التي كانت كنيسة من قبل.

في بعض الأحيان تنتقل ملكية الكنائس لغير مسيحيين كما حدث في مدينة هامبورغ، حيث بيعت كنيسة إنجيلية لأحد المستثمرين الذي باعها بدوره إلى جالية مسلمة هناك وكانت هناك رغبة لتحويلها إلى مسجد. غير أن هذا الأمر أثار استياء بعض الناس. ويوضح البروفسور غروسهانس في هذا السياق بأن العديد لا يقبلون فكرة أن تتحول كنيستهم التي كانوا يصلون فيها وعقدوا فيها قرانهم أو تم فيها تعميد أطفالهم أو دفن شخص عزيز عليهم فيها أن تتحول فجأة إلى دار عبادة لأتباع دين آخر. "يشعر المرء بالألم والحزن عندما يترك مكانا عاش فيه لحظات جميلة"، على ما يقول هورست كناوف. غير أن الناس لا ينزعجون عندما تتحول الكنيسة لبيت سكني تعيش فيه أسرة، مثل أسرة أوفه كوخ.