يبدو أن النظام السوري يلجأ إلى استخدام الورقة الطائفية كحل أخير لمواجهة الثورة، حيث يقول مسيحي سوري في حلب أن النظام يسلح المسيحيين الأرمن في محاولة لجرهم إلى النزاع.

هاجم مقاتلو المعارضة السورية المسلحة يوم الاثنين مبنى البلدية في مدينة حلب متسببين في فرار الموظفين من إحدى الدوائر الرسمية القليلة التي ما زالت تعمل فيما انتشر عشرات الجنود من القوات النظامية للدفاع عن وسط المدينة.

وقال المقاتل سعيد أبو عبدو (25 عاما) "نحن لا نريد إيذاء الموظفين ولكننا نريدهم أن يمتنعوا عن الدوام وبخلافه سيُقتلون".

انقسامات مذهبية

ولاحظ مراقبون أن شهرين من المعارك الطاحنة في حلب التي كانت تُعتبر معقلاً من معاقل نظام الرئيس بشار الأسد وبقيت لفترة من القوت بمنأى من النزاع المسلح، تركت آثارها المدمرة على المدينة معطِّلة الحياة فيها ومهددة باحداث انقسامات جديدة بين مكونات مذهبية تتعايش فيما بينها منذ زمن طويل.

وبالمقارنة مع الوضع قبل ستة اسابيع فان الفارق صارخ إزاء ما آلت اليه المدينة اليوم. إذ انهارت الخدمات البلدية في مناطق عديدة وتحولت احياء مسيحية وكردية وسنية ميسورة كانت تشعر بالأمان عندما بدأ القتال، الى ساحات معارك كانت في السابق تقتصر على المناطق السنية الفقيرة وحدها. وكانت الجثث منتشرة في احد احياء حلب تنهشها القطط والكلاب، واكوام النفايات تجتذب اسرابا من الذباب.
 
وأُغلقت غالبية الأسواق التجارية والعيادات الطبية في الأحياء المناوئة للنظام. وحتى مراكز الشرطة تبدو مهجورة. وتتألف قوات الشرطة في الغالب من ابناء المناطق الريفية والعمالية حيث تتمتع الانتفاضة بتأييد واسع. وقال بعض السكان ان احياءهم بلا ماء صالح للشرب وبلا كهرباء منذ اسابيع.

تسليح الأرمن

وعمد بعض المسيحيين الذين تاريخيا يشكلون مكونًا أساسيًا في خليط حلب المذهبي الزاخر بالحيوية، الى رفع السلاح لحماية احيائهم وكنائسهم. واتخذت عدة اقليات سورية جانب الأسد خشية ان يتركها سقوطه مكشوفة لمعارضة ذات قيادة اسلامية سنية أو نأت بنفسها عن النزاع لأنها لا تثق بأي من الطرفين، كما افادت صحيفة نيويورك تايمز ناقلة عن مسيحي سوري يحرس حيه بكلاشنكوف ان النظام يسلح المسيحيين الأرمن في محاولة لجرهم الى النزاع.

وقال الرجل لصحيفة نيويورك تايمز "من الواضح اليوم ان المسلمين من الريف يريدون تدمير مدينتنا. فهم ليس لديهم ما يخسرونه". وقدم الرجل نفسه باسم جانو مؤكدا انه ارمني ينتمي الى ما يُسمى لجنة شعبية شُكلت مؤخرا للدفاع عن حي العزيزية الذي يؤوي لاجئين من احياء مسيحية أخرى اندلع فيها القتال.
 
ولكن جانو قال انه لا يثق بالنظام الذي اشار الى انه يحاول احياء جماعة ارمنية مسلحة كان يدعمها ضد تركيا. ورفض جانو ذلك بشدة "لأننا سنكون هدفا مشروعا للثوار المسلمين. فالنظام يريد ان يستخدمنا ونحن نريد ان نعيش بسلام أو نرحل. إذ اننا اقلية في هذا البلد ولا نستطيع ان نواجه الأغلبية المسلمة".

ومع اتساع الاشتباكات في حلب يوم الاثنين قالت لجان التنسيق المحلية ان 11 شخصا قُتلوا وأُصيب 20 آخرون عندما سقطت قذيفة على مسجد عثمان بن مظغون في حي مساكن هنانو خلال صلاة الفجر. وذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" ان قوات النظام استعادت السيطرة على اثنين من احياء المدينة كانت المعارضة المسلحة تسيطر عليهما.

مصالح معطلة

وكان طريق دمشق حلب مزدحما يوم السبت بقوات النظام المتجهة الى حلب. وفي مدينة كانت مركزا تجاريا منذ آلاف السنين بدت المصالح والأعمال معطلة تقريبا وأُغلقت الأسواق التجارية، وما تبقى من متاجر مفتوحة كانت تبيع الخبز بسعر يزيد خمس مرات على سعره الاعتيادي.

وفي وسط المدينة الذي يعود الى القرون الوسطى كان قسم كبير من السوق الأثرية انقاضا يتصاعد منها الدخان وانهارت اسوار حجرية تاريخية.

وعلى مقربة بدا أن أضرارًا لحقت بالقلعة التي بُنيت في القرن الثاني عشر في قلب المدينة القديمة وبوابتها الخشبية كانت مخرمة بالرصاص وبضع احجار تكسرت في مدخلها. وتمركز جنود من قوات النظام في القلعة وكذلك في الجامع الأموي حيث يمكن مشاهدة قناص في المئذنة.

وبدا حتى حلبيون يدعمون الانتفاضة مستائين من الأضرار التي لحقت بالمدينة حيث آثار الحرائق والرماد شوهت حلب القديمة والدخان كان لم يزل يتصاعد من حريق شب قبل يوم في متاجر لبيع الأصباغ والتجهيزات الكيمياوية في حي باب النصر.

"المدينة الحزينة"

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن ناشط مناوئ لنظام الأسد قدم نفسه باسم محمد ان حلب "مدينة حزينة جدا، وكانت حزينة خلال الأشهر القليلة الماضية".
 
واعرب ابو محمود وهو تاجر أقمشة ثري ذوي لحية بيضاء عن حزنه الشديد على المدينة حتى داخل منزله حسن التأثيث الذي لم يُصب بأضرار. واعلن انه على وشك الفرار الى تركيا حيث فتح ابناؤه متجرا صغيرا لبيع الأقشمة.

وقال ابو محمود لصحيفة نيويورك تايمز "ان الثوار جاءوا لتحرير المدينة ولكن ما حصلنا عليه تدمير وليس حرية. وقوات الأسد لا تكترث بالأحجار أو البشر بل ان النظام مستعد لتدمير كل منزل وكل متجر وكل مبنى لإبقاء أسرة الأسد في السلطة".