بيروت: يأمل مسيحيون من حلب موجودون في لبنان في ان يحمل البابا بنديكتوس السادس عشر الذي يزور لبنان رسالة تشجيع لابناء هذه الطائفة للبقاء في ارضهم، وذلك وسط مخاوف حيال مصيرهم مع استمرار العنف الدامي في بلادهم.

وتشهد حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، معارك عنيفة منذ العشرين من تموز/يوليو، وقد نزح قسم كبير من سكانها.

وفيما يشكل المسيحيون خمسة بالمئة من شعب سوريا وهم نسبيا من الميسورين، فان عددهم هو ضعف هذه النسبة في حلب ونصفهم من الارمن.

والمخاوف الاكبر لدى المسيحيين هي على مصيرهم في حال سقوط نظام الرئيس الاسد حيث يخشى كثيرون ان يسيطر اسلاميون على البلاد. ويشعر المسيحيون السوريون بشكل عام ان مصيرهم مرتبط بمصير النظام الذي لطالما قدم نفسه على انه يحمي حقوق الاقليات.

في بيروت، تقول طالبة جامعية مسيحية تتحدر من حلب انها تتابع ما ستؤول اليه الاوضاع في مدينتها وتترقب ما سيكون عليه مستقبلها في لبنان.

وتضيف لوكالة فرانس برس طالبة عدم الكشف عن اسمها "اذا رحل الاسد فان الاخوان المسلمين سياتون الى الحكم واشك في ان يكون للطائفة المسيحية اي مستقبل مع مثل هذا النظام".

وتضيف الطالبة التي طلبت عدم الكشف عن هويتها انه قبل الثورة السورية كانت الحياة جيدة في لبنان، لكن "الان الامر مختلف جدا". وتقول لوكالة فرانس برس "بعض الناس يسألون كيف هي الامور لانهم مهتمون فعليا بما يحصل في سوريا. لكن اخرين يستهزئون منا ويقولون الان جاء دوركم".

وقد مارست سوريا وصاية على لبنان على مدى ثلاثة عقود تقريبا، كما ان النزاع السوري انعكس توترا في هذا البلد حيث انقسمت اطيافه السياسية بين مؤيد او معارض للنظام السوري.

وفي هذه الاجواء تنطوي زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر على حساسية كبرى، بينما يؤكد المسؤولون الكنسيون ان البابا يسعى الى حمل رسالة سلام ومصالحة الى المنطقة.

وتقول الطالبة الجامعية انها تامل في ان تشجع زيارة البابا المسيحيين على البقاء في ارضهم في مواجهة مستقبل غير اكيد.

وتابعت "ارغب في ان يقول للمسيحيين السوريين بان يبقوا في منازلهم، وبان يحافظوا على قوتهم والبقاء في بلادهم وان يحاربوا من اجلها".

وفي احد مقاهي الاشرفية في بيروت، يعبر طالب جامعي سوري عن آمال وقلق الطائفة المسيحية عشية زيارة البابا.

ويقول "حين بدات الاحتجاجات في مصر، اعتقدت انه قد تحصل تظاهرات سلمية في سوريا، لكن ليس حربا".

ويضيف رافضا الكشف عن اسمه "الان هناك فقط الجيش السوري الحر والجيش النظامي. الناس هم الضحايا، لا يمكنهم القيام بشيء".

وقال الطالب الاخر انه فيما يرى زيارة الحبر الاعظم على انها "بادرة"، اضاف انه سيثمن اي رسالة تشجيع للمسيحيين للبقاء في منازلهم.

وتابع "يجب ان يقول ان على المسيحيين ان يتحلوا بالشجاعة والا يغادروا المنطقة" مضيفا "لانهم اذا فعلوا ذلك، فسيكونون مجرد صفحة اخرى في كتب التاريخ".

وهذا الطالب المتحدر من حلب والذي يقيم في بيروت منذ خمس سنوات لمتابعة دراسته الجامعية، انضمت اليه عائلته بكاملها وهم سوريون كاثوليك، قبل شهرين هربا من العنف الذي لف المدينة الواقعة شمال سوريا منذ منتصف تموز/يوليو.

لكنهم مترددون في الاستقرار في بيروت، العاصمة ذات المعيشة المرتفعة وغير المستقرة عموما. ويضيف "كلهم هنا، لكنهم لم يستاجروا شقة بعد، انهم ينتظرون لمعرفة ما اذا كان الوضع سيتحسن".

وعلى مدى اشهر بقيت حلب بمنأى عن الانتفاضة ضد النظام التي بدأت في اذار/مارس 2011.

لكن اعمال العنف وصلت اليها حين حاولت المعارضة المسلحة الاستيلاء على ثاني اكبر مدن سوريا وحيث اصبح الانقسام واضحا في المدينة. ويقول الطالب "اما انت مع النظام او ضده، لا حل وسط هنا".

ويقول الطالبان الجامعيان ايضا ان العلاقات كانت محدودة مع الطوائف الدينية الاخرى في المدينة.

ويوضح الطالب "المشكلة في حلب هي ان الطائفة المسيحية كانت لفترة طويلة منغلقة، لا اعرف الكثير من المسلمين".

وتقول الطالبة الجامعية ان كل الطوائف الدينية تختلط في الجامعة وفي المجال العام، لكن حين يتعلق الامر بالشأن الاجتماعي، فانهم كانوا يفضلون الاختلاط بالمسيحيين.

واذا استمرت اعمال العنف، فان لبنان الذي يضم ثاني اكبر مجموعة مسيحيين في الشرق الاوسط يمكن ان يقدم ملجأ موقتا، لكن مسيحيي سوريا على قناعة بان لبنان لا يشكل بديلا قابلا للاستمرار لوطنهم.

وقالت الطالبة الجامعية "المحطة الثانية هي بالتاكيد لبنان" لكن "للمستقبل، فان لبنان ليس اكثر امانا من سوريا. يمكن ان ينفجر في اي لحظة".

لكن الى جانب عدم الاستقرار السياسي، فان تامين حياة كريمة ليس سهلا جدا.

وتقول الطالبة الجامعية ان "حلب هي ثاني مدينة في سوريا من حيث الانتاج. هناك الكثير من المصانع الكبرى. ومع القتال، لا احد يعمل الان".

وردا على سؤال حول ما اذا كانت عائلتها ستنضم اليها في لبنان قالت "لا يمكنهم مجرد الرحيل على هذا النحو. كيف سيعيشون؟ من الصعب جدا البدء من الصفر".

واكد الكاردينال جان-لوي توران المسؤول عن الحوار بين الاديان الخميس عشية زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر الى لبنان ان البابا سيشدد على دعوة المسيحيين الى ان يبقوا "اقلية فاعلة" في الشرق الاوسط، محذرا اياهم من الميل نحو "الاضطلاع بدور الضحية".

وقال الكاردينال توران لاذاعة الفاتيكان ان الرسالة التي سيحملها البابا الى لبنان لدى توقيع الارشاد الرسولي لسينودس 2010 للمنطقة كلها هي الآتية: "على رغم كل الصعوبات، انتم هنا منذ قرون، انتم في دياركم وهنا ينبغي ان تزدهروا".

واضاف هذا الكاردينال الفرنسي الذي كان وزيرا للخارجية خلال حبرية يوحنا بولس الثاني "يجب التصدي لميل نحو الاضطلاع بدور الضحية. نحن اقلية فاعلة" في الشرق الاوسط.

واوضح ان جانبا آخر من رسالة البابا سيكون الدعوة الى "انقاذ التعددية الدينية لانقاذ المسيحيين".

وفي المقابل، قال المونسنيور توران "يجب الا تتوقعوا اعلانا سياسيا" حول الازمة السورية خلال هذه الزيارة.

وفي مقابلة مع صحيفة لوفيغارو الفرنسية ذكر المسؤول الثاني في الكرسي الرسولي الكاردينال تارسيسيو برتوني بأنه "منذ بداية الازمة دان البابا بكل قوته اعمال العنف" و"اكد بالقوة نفسها التطلعات المشروعة للشعب السوري".

وذكر بأن "البابا دعا مرارا جميع المسؤولين الى الامتناع عن القيام بأي عمل عنف والسير في طريق الحوار"، وذلك لدى سؤاله عن الحذر الذي اعتمده الكرسي الرسولي والذي اعتبره بعض اطراف النزاع مبالغا فيه.

واضاف الكاردينال برتوني ان "المسيحيين في سوريا هم جسر بين الطوائف. انهم يسعون لبناء السلام والوحدة بين جميع المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الاتني والديني".

وقال ان بنديكتوس السادس عشر "اتخذ قرار زيارة لبنان منذ فترة بعيدة. ويزوره كرسول سلام. وبدلا من ان تثنيه التوترات المتزايدة في هذه المنطقة، جعلت رغبته في زيارة لبنان اكثر الحاحا".