كتبت الكاتبة فاطمة ناعوت عن ذهابها الى ضفاف النيل تلبية لدعوة الافطار التي ارسلها الاب بطرس دانيال، وتقول ناعوت: " تأخر مُساعدي في المجيء إليّ، فنزلنا والمغربُ يوشكُ أن يُغرِّدَ في سماء القاهرة. استوقفنا بعضُ الشباب. فتحتُ نافذة السيارة، فناولني صبيٌّ جميلٌ أكياسَ تمر، وقنينة ماء، وابتسامةَ محبة، أشرقت في وجهه، وفي قلبي. شكرتُه، وضميري يؤنبني لأنه يمنح السابلةَ الماءَ والتمر، مُضحّياً بلحظة دفء تجتمع فيها الأسرة على مائدة إفطار رمضان. لحظةٌ فريدة لا مثيلَ لها، يضحى بها أبناؤنا من أجل مَن باغتَ الغروبُ طريقَهم. طمأنني قائلاً إنه مسيحىّ! وكلُّ مَن معه من شباب مسيحيون!

علتِ الدهشةُ وجهي، فأخبرني مساعدي، مهندس هاني عيسى، أن هذا يحدث كلَّ يوم، في كلّ رمضان من كلِّ عام. وأن ابنيه، كريم وباسم، وهما مسيحيان، يؤديان ذلك الطقسَ النبيل طوال رمضان مع أبناء كنيستهم بحلوان، الأمر منتشرٌ بمصر! نعم. صدق مَن سمّاها «المحروسة». عرفتُ الآن السبب. مصرُ محروسةٌ ليس فقط بمحبة الله لها: «ادخلوا مصرَ إن شاءَ اللهُ آمنين»، بل كذلك بالمحبة التي تسكن شعبها: «مباركٌ شعبى مصر».

وصلنا متأخرين. فبادرنا بالمصافحة صاحبا الدعوة: الأب بطرس دانيال، مدير المركز الكاثوليكي المصري للسينما، ود.عاطف عبداللطيف، سفيرُ النوايا الحسنة للتبادل الثقافي والحضاري، واندمجنا مع الحضور. هل أجملُ من أن تتناول إفطارك بين بشر آمنوا بأن الدينَ لله، والوطنَ والمحبةَ والتآخي لجميع المصريين؟ لهذا كان اسم الدعوة التى تتكرر كلَّ رمضان: «إفطار المحبة»، وجاء شعار هذا العام: «مصرى وبس».

أيّ مائدة إفطار طيبة تلك التي تجمع الداعيةَ الإسلامي المستنير الطبيب الشيخ د. أسامة القوصى جوار الأب أنطونيوس عزيز مطران الجيزة؟ أيّ مائدةٍ ثرية تجمع الكاتبة «ماما نعم الباز»، جوار د. نادية زخاري وزير البحث العلمي، مع الكاتب محمد الغيطي، والكاتبة حنان مفيد فوزي، والكاتب الطبيب وباحث علم المصريات د. وسيم السيسي، مع الإعلامي إمام عمر، والسيناريست فيصل ندا، والمصور السينمائي رمسيس مرزوق، والشاعر شوقي حجاب، والمخرج عادل أديب، والمطرب هشام عباس، والفنانات: سميرة عبد العزيز، ليلى طاهر، نهال عنبر، غادة إبراهيم، رجاء حسين، مادلين طبر، ميار الغيطي، وسواهن، والفنانين: مجدي صبحي، يوسف فوزي، وسواهم؟

إنها مائدةُ مصرَ الغنيّة بأبنائها الأقباط: مسلمين ومسيحيين. إنها المائدة القبطية التي تحتضن أبناءها دون أن تنظر إلى عقائدهم. لأن العقيدةَ شأنٌ خاصٌّ بين الإنسان وربّه، أما المواطَنة فشأنٌ عامٌّ بين الوطن وبين المواطنين جميعاً. العقائدُ خيوطٌ رأسية دقيقة متوازية، تصل بين «كل» إنسان على الأرض، وبين السماء. بينما المواطنةُ شبكةٌ معقدة من الخيوط الأفقية تربط بين «كل» مواطن ووطنه، وبين «كل» مواطن، والمواطن الآخر. فكيف يتضارب أو يتصارع أو يتقاتل ما هو رأسىيٌّ «خيط العقيدة»، مع ما هو أفقىيٌّ: «خيط المواطَنة»؟ درسٌ بسيط في الهندسة الإقليدية التقليدية يعرفها كل طفل منذ تعلمناها من عالم الرياضيات إقليدس، الإغريقي السكندري. هذا طقسُ كلِّ عام يجمعنا فيه المركز الكاثوليكي للسينما على شرف رمضان الكريم. أتأملُ الآن فانوساً بديعاً من الخشب الأركيد، أهداه لي الأب بطرس، كيلا أنسى أبداً أن شيئاً لن يفرق بيننا، نحن أبناء مصر الطيبة. كل سنة ومصرُ، مصرُ.