ما حقيقة تعرض المسحيين في سوريا إلى القتل والتهجير، ومن المستفيد من ذلك؟ وما موقع هذه الطائفة في الأحداث التي تشهدها بلادهم؟ وكيف ينظرون إلى المستقبل؟

تزداد معاناة المدنين السوريين مع اشتداد القتال بين قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة التي باتت تنتشر في مختلف المدن والقرى، وتزداد معها حركة النزوح في كل الاتجاهات، سواء داخل البلاد أو إلى خارجها، فالبحث عن المكان الآمن بات الشغل الشاغل لمعظم السوريين من مختلف الانتماءات، سيما المنتمين إلى الأقليات، فبعض التقارير الإعلامية تحدثت خلال الأيام الماضية عن هجرة كبيرة للمسحيين من مناطقهم، ليس فقط بسبب قصف القوات النظامية، بل حتى بسبب تهديد بعض الجماعات المسلحة لهم، حسب بعض وسائل الإعلام.

ونقل موقع "شبيغل اونلاين" الألماني، في تقرير بعنوان "مسيحيو سوريا يفرون من المسلحين الراديكاليين"، شهادات لبعض النساء المسيحيات، اللائي ذكرن للموقع، أن "بعض أقاربهن في منطقة القصير(محافظة حمص) قتلوا من طرف جماعات مسلحة تنتمي للمعارضة فقط لأنهم مسيحيون". وتضيف النساء في تصريحات للموقع الألماني أن "متشددين إسلاميين من المعارضة يرون أنه ليس للمسيحيين مكان في سوريا الجديدة". هذه المخاوف قابلتها تصريحات للقس الكاثوليكي المنفي باولو دال أوجليو الذي قال "إن الجيش دمر كنائس وشرد ما يقرب من 150 ألف مسيحي". وقال الأب باولو لـ لوكالة الأنباء الألمانية: "صار المسيحيون خائفين الآن... فهم يخافون من الظل ولا يعرفون فيمن يثقون".

من جهة أخرى قالت مصادر كنسية سورية لـDW إنه في "إطار الفوضى المسلحة، ووجود تيارات مختلفة، تم استهداف المسيحيين في بعض المناطق، وقد استهدفوا ليس لأنهم مسيحيين، ولكن استهدفوا من أجل التأكيد على وجود صراع طائفي وأن البلد تتجه إلى نفق الحرب الأهلية". بيد أن جوروج ستيفو، الناطق الرسمي بسم مجموعة "سوريون مسيحيون من اجل الديمقراطية" يشير إلى أن "المخاوف الآن تتمثل في قيام النظام باستهداف المسيحيين لزجهم في الصراع والقول بأنهم يُستهدفون من قبل إرهابيين...وذلك للنيل من الثورة السورية وجرها إلى صراعات طائفية غير معهودة في تاريخ سوريا.

وفيما يصعب التحقق من هذه المعلومات على الأرض من جهات مستقلة، نحاول في هذا التقرير نقل العديد من الآراء المختلفة عن وضعية مسيحيي سوريا في ظل الأحداث التي تشهدها بلادهم.


حضور في التنظيمات وعلى الأرض

يشكل المسيحيون في سورية ما نسبته حوالي 10 بالمائة من تعداد السكان البالغ قرابة 25 مليون سوري، بحسب أرقام محدثة نشرتها تقارير أمريكية. وتنقسم هذه النسبة إلى عدد من الطوائف المسيحية من بينها الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والأرمن السريان والموارنة والآشوريين والكلدان. وهذه الطوائف مجتمعة تتنوع مواقفها السياسية في سوريا ما بين مؤيد ومعارض لنظام الأسد، كما أن منهم من لم يتخذ أي موقف مما يحدث في البلاد.

ويقول جورج ستيفو، الناطق الرسمي بسم مجموعة "سوريون مسيحيون من اجل الديمقراطية"، والذي ينتمي كذلك إلى المنظمة الأشورية الديمقراطية، في حوار مع DW، إن "غالية المسيحيين في سوريا كانوا ضمن الأغلبية الصامتة، والقلة منهم مع النظام وهناك عدد غير قليل منهم يقف ضده، وهذا الأمر ينطبق على كافة أطياف الشعب السوري، والسبب في ذلك الخوف من بطش النظام". ويشير ستيفو إلى التمثيل المسيحي في المجلس الوطني الذي يضم أطيافا واسعة من المعارضة السورية، بالقول:" في المجلس الوطني هناك أكثر من 24 معارضا مسيحيا، وهو ما يمثل نسبة عشرة بالمائة من حجم المجلس".

ويبدو أن الوجود المسيحي لم يقتصر فقط على التنظيمات المعارضة للنظام السوري بل حتى في الحراك الشعبي، إذ يؤكد محمد لقمان لوله، من المكتب الإعلامي للمجلس الثوري بمدينة حلب، أن المسيحيين كبقية السوريين الذين كانوا يوصفون بالأغلبية الصامتة، انظموا إلى الثورة بعد ارتفاع وتيرة العنف، وأضاف في حوار مع DWقائلا"هناك مسيحيون قتلوا لمشاركتهم في الثورة ومن بينهم مصور استهدفه قناص في دمشق عندما حاول تصوير إحدى المظاهرات، ومؤخرا، وفي ريف حلب انشق عشرة جنود عن الجيش السوري، من بينهم جندي مسيحي، روى أن أباه طبيبا يعمل مع الثوار".

قناعات أم تهديد؟

لكن معارضين سوريين يرون أن الطائفة المسيحية في بلادهم لم تعلن بعد براءتها من النظام، بل وتتهمها بدعمها للأسد، كما يشير إلى ذلك أحد كبار رجال الدين المسيحيين، والذي طلب عدم ذكر اسمه خشية تعرضه إلى مضايقات أو اعتداءات. ويؤكد هذا الرجل في حوار لـ DWمن دمشق بالقول: للأسف، المسيحيون متهمون اليوم بأنهم يدعمون النظام، وبالتالي فأي انتقام من النظام يجعلهم عرضة للعنف، بالرغم من أنهم نادوا منذ بداية الأزمة بالحوار وأعلنوا معارضتهم للعنف المسلح والتظاهر غير السلمي". ويضيف بالقول "تم دفع المسيحيين في بعض المناطق للهجرة بعد أن أجبروهم على اتخاذ موقف إما معنا أو ضدنا، وهذا الوضع يعني أننا لا نستطيع أن نتخذ موقفا محايدا".

إلا أن الباحث السوري في علم الاجتماع الأستاذ إسحاق كنعو، يرى أن "غالبية المسيحيين ينتمون اليوم إلى المعارضة، إلا أن طريقتهم في المعارضة تختلف عن طريقة الأطياف الأخرى في المجتمع السوري". ويوضح كنعو بالقول:إنهم يخشون بطش النظام، ويخشون التنظيمات الراديكالية المتطرفة، لذلك فهم يختارون ألفاظهم الدبلوماسية بدقة عندما يعبرون عن معارضتهم للنظام، لكن يبدوا أن ذلك لا يكفي من وجهة نظر بعض المعارضين الذين يطالبونهم بالجهر بمعارضتهم لنظام الأسد".

وكان القس الكاثوليكي المنفي باولو دال أوجليو أشار الثلاثاء الماضي، إلى أن المسيحيين وبعض الأقليات الأخرى في سورية تعيش في خطر شديد، متهما، في حوار أجرته معه وكالة الأنباء الألمانية، الرئيس بشار الأسد بتبنيه ثقافة "النفي المنهجي"، وقال إن نظام الأسد يطلب من القادة المسيحيين إقناع أتباع ديانتهم بعدم معارضتهم له. وأضاف باولو أن ذلك جعل الكثير من المسيحيين هدفا لمعارضي النظام.

ويقول مراقبون إن طريقة تعيين رجال الدين، سواء المسيحيين أو المسلمين منهم، لا تتم إلا بموافقة الجهات المعنية، وفي هذا الشأن يقول الباحث في علم الاجتماع إسحاق كنعو "لا يمكن تعين رجال الدين في سوريا، خاصة المطارنة والبطاركة، إلا بموافقة الجهات الأمنية السورية، وان كان رجل الدين معارضا فإن النظام يرفضه أصلا، وهو الأمر الذي ينطبق كذلك على رجال الدين المسلمين، ومن هنا فإنهم يحرصون على تأييدهم للنظام كبقية رجال الدين من الأطياف الأخرى". وهو ذات الرأي الذي ذهب إليه جوروج ستيفو، الناطق الرسمي بسم مجموعة سوريون مسيحيون من اجل الديمقراطية حينما قال:" النظام السوري كان نظاما دكتاتوريا منذ عقود، واستطاع تسييس الدين بدرجة كبيرة، كما استطاع أن يهدد رجال الدين، المسحيين والمسلمين منهم، ليقفوا علنا إلى جانبه"، ويؤكد ستيفو أن منظمته "تلقت العديد من شكاوي رجال الدين المسيحيين الذين تعرضوا للتهديد".

هذه الادعاءات يدحضها رجل الدين السوري، الذي تمكنت DWمن الحديث معه من دمشق، وطلب عدم الكشف عن هويته، إذ يرى أن تلك المواقف مبنية عن حقائق واقعية ويؤكد بالقول: "بغض النظر عن أخطاء أي حزب حاكم، يظل حزب البعث العربي الاشتراكي حزبا علمانيا وليس دينيا، وقد عاش المسيحيون في ظله أحسن من أي وضع أخر للمسيحيين في الشرق الأوسط، فالمسيحيون لا يشعرون في سوريا بأنهم غرباء في ظل التشريعات الحالية، سواء من ناحية بناء الكنائس أو ممارسة الشعائر الدينية، وهي مميزات حظي بها المسيحيون حتى قبل وجود الحزب الحاكم حاليا".

التخوف من المستقبل

ويشير ذات المصدر إلى تخوف المسيحيين في سوريا من المستقبل، أي في حال سقط نظام الأسد، خاصة حينما ينظرون إلى تجارب المسيحيين العراقيين الذين استهدفوا من قبل جماعات إرهابية، ويضيف بالقول: " فنحن لا نرى وضوحا كافيا في رؤية المعارضة للإصلاح مستقبلا، ويزيد من هذا التخوف صعود الإسلام السياسي، الذي قد ينظر إلى المسحيين على أنهم أقليات أو أصحاب ذمم ليس لهم كل الحقوق والواجبات التي يتمتع بها الآخرون". هو ذات التخوف الذي ذكره الباحث في علم الاجتماع إسحاق كنعو، في حواره مع DW، ويضيف:" المسيحيون في سوريا يتخوفون الآن من أن يصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية في حال وصول قوى إسلامية إلى الحكم، وهذا التخوف نابع من بعض التجارب التي نراها حاليا في مصر والعراق حيث هُمِش المسيحيون ولم يعطى لهم إلا نسب جزئية في البرلمان، لكن هذا لا يخفي حقيقة عاشتها سوريا في الخمسينيات، حينما رشح الإخوان المسلمون، في زمن مؤسس الجماعة المرشد مصطفى السباعى، شخصيات مسيحية ضمن قوائمهم ".

لكن المستقبل غير المعروف بصفة عامة هو مقلق للإنسان بغض النظر عن انتمائه الديني، هكذا يقول جورج ستيفو، الناطق الرسمي بسم مجموعة سوريون مسيحيون من اجل الديمقراطية، ويضيف:"لكن علينا أن لا نفصل مستقبل سوريا عن تاريخها، فسوريا لم تشهد صراعا بين أطياف تركيبتها الاجتماعية، ولذلك نتوقع أن يكون مستقبل سوريا مثل تاريخها، وهو التآخي بين المسلمين والمسيحيين". ويؤكد بالقول "علينا أن ندرك أن الديمقراطية والمدنية هي التي ستحمي المسيحيين في سوريا وليس نظاما أو شخصا بحد ذاته، كما ستحمي هذه الديمقراطية كل الطوائف والانتماءات بمن فيهم المسيحيين والمسلمين والأكراد".