على أبواب السفارة الهولندية بالقاهرة يتوافد يومياً مئات الأقباط، جاءوا إليها متعلقين بأستار الأمل بحثاً عن فرصة هجرة من مصر، فما إن نشرت الصحف والمواقع الالكترونية خبراً عن فتح هولندا باب الهجرة لأقباط مصر، حتى أصبحت سفارتها قبلة لهم، يأتون من كل ربوع مصر سعياً وراء هذه الفرصة، تاركين الوطن و«حضن العيلة» ودفء الأسرة المصرية، متوجهين الى برد أوروبا، القارس الذي يكسو الأرض والمشاعر أيضاً، ورغم أن السفارة الهولندية كذبت الخبر من خلال الصحف وعبر موقعها الالكتروني إلا أن هذا لم يثن الراغبين في السفر عن عزمهم، ومازالوا يتوافدون عليها من كل حدب وصوب جرياً وراء الحلم الذي أصبح بالنسبة للكثيرين منهم الملاذ الوحيد بعد أن ساءت ظروف مصر الاقتصادية والسياسية على السواء، وصعد الاسلاميون للحكم.

مهندسون، عمال، موظفون، سائقون، جامعيون وغيرهم، اصطفوا أمام أبواب السفارة الهولندية بالزمالك، بعضهم جاء من القاهرة، ومنهم من ترك محافظته بالصعيد وأتى مهرولاً طلباً للهجرة، والجميع اصطدم بأمن السفارة الذي منح كلاً منهم ورقة صغيرة بها عنوان الموقع الالكتروني للسفارة، طالباً منهم الدخول عليه حيث توجد به شروط الهجرة والاوراق المطلوبة لذلك، ورغم نفي الكثيرين رغبتهم في الهجرة خوفاً من الأوضاع السياسية، الا أنهم أكدوا أن الهجرة أصبحت حلماً للمصريين جميعاً سواء كانوا أقباطاً أو مسلمين، بسبب أحوال البلد سواء سياسية أو اقتصادية، الامر الغريب أن معظم من تحدثنا معهم رفضوا ذكر اسمائهم التي تكشف عن هويتهم المسيحية، حتى لا يقال إن المسيحيين يهربون من مصر.
< زكريا.. أحد من التقينا بهم أمام السفارة جاء ومعه أحد أبنائه السبعة بحثاً عن فرصة الهجرة، ابنه رفض الحديث معنا، ولام والده حتى لمجرد أنه ذكر لنا اسمه، إلا أن الوالد أكد لنا أنه جاء بناء على الخبر الذي نشرته بعض الصحف حول فتح هولندا باب الهجرة لأقباط مصر، وقال الأب: جئت ليس من أجل الهروب من مصر كما يشاع، وإنما بحثاً عن مستقبل لأبنائي بعد أن أصبحت البلد «حالها نايم» على حد قوله، لا توجد بها فرصة عمل، ولا أمل في تحسن الأحوال قريباً.

وبسرعة أنهى زكريا حديثه بعد أن ازداد احتقان وجه نجله وانصرف حاملاً معه تلك الورقة الصغيرة التي منحها له أمن السفارة.
شاب آخر خريج كلية الهندسة دفعة 2008 تقدم منا بمحض ارادته ولكنه رفض ذكر اسمه، وقال: أي مصري سواء مسلم أو مسيحي يبحث عن فرصة للهجرة، البلد لم تعد في حاجة الى أمثالنا. يقصد الخريجين الجدد الذين يحملون مؤهلات عملية ولكنهم لا يمتلكون الواسطة، ويضيف الشاب: منذ تخرجي وأنا أبحث عن فرصة عمل مناسبة، ولم أجد، واليوم جئت الى هنا بمجرد أن قرأت الخبر بحثاً عن فرصة، بلدنا لم يعد فيه أمل لأي شىء، فالقوى السياسية المتحاربة الآن أفقدتنا الأمل في أي تحسن في المستقبل، وهذه الخلافات المستمرة ستؤثر علينا، وتابع: يبدو أن السلطات المصرية مارست ضغوطاً على السفارة الهولندية، لأن هولندا نفسها أكدت خبر فتح باب الهجرة للأقباط، ولكن السفارة عادت وكذبت فجأة فهذا التراجع يؤكد أن للحكومة المصرية دخلاً في ذلك، ولكننا سنعمل جاهدين للهجرة من هذه البلد التي لم يعد لنا أي مستقبل فيها.

وعندما سألته عن العمل الذي سيقوم به هناك قال: أي عمل، المهم أن أجد مقابل تعبي ومجهودي، وفي البداية ستكون لدىَّ فرصة لتعلم اللغة ثم سأعادل شهادتي الدراسية وسأعمل هناك وأحقق ذاتي بدلاً من الانتظار هنا بدون فائدة.

وهولندا هي واحدة من دول غرب أوروبا المطلة على بحر الشمال، تقدر مساحتها بحوالي 40 ألف كيلو متر مربع فقط، ويبلغ تعداد سكانها 16 مليون نسمة تقريباً، وهي من أكثر دول أوروبا ازدحاماً بالسكان حيث تقدر الكثافة السكانية بها بـ 395 فرداً/ كيلو متر مربع، ومع ذلك فهى تعتبر من أكبر عشر دول في العالم من الناحية الاقتصادية، وواحدة من أكبر ثلاث دول حيث الانتاج الزراعي نظراً لاستواء سطحها، ورغم أن معظم من يفكرون في الهجرة لا يعرفون الكثير عن هولندا ولا فرص العمل المتوافرة بها، ولا ظروفها الاقتصادية والاجتماعية إلا أنهم توجهوا لسفارتها بمجرد ما تنامى الى سمعهم فتح باب هجرة للأقباط.

أحد المواطنين الذي يتشابه اسمه مع اسم شخصية كانت تفتح لها كل الأبواب جاء إليها طالباً الهجرة له ولأسرته المكونة من طفلين وزوجة.. وقال زكريا عزمي: كنت أعمل بالسياحة وبعد انهيارها عملت موظف أمن مقابل 900 جنيه شهرياً، احد اطفالي في الصف الرابع الابتدائى تجريبي أدفع له 800 جنيه دروس في الشهر الواحد، والآخر مثله فمن أي لي بـ 1600 جنيه كل شهر، وراتبي 900 جنيه فقط، وكيف نأكل ونعيش ونلبس، هذه هي الظروف التي أعيشها أنا وأسرتي، فلماذا نبقى في مصر؟ وأضاف: منذ ساءت الأحوال بهذا الشكل وأنا أبحث عن فرصة للهجرة من مصر، ولذلك توجهت مرتين للسفارة الامريكية واجريت مقابلات ودفعت في كل مرة ما يقرب من 5 آلاف جنيه رسوم الحصول على التأشيرة لي ولأبنائي ولم أتمكن من الحصول عليها، وتوجهت لسفارة كندا ولكن شروط الهجرة إليها صعبة ولم أوفق فيها، لذلك حضرت الى سفارة هولندا بمجرد قراءة هذا الخبر لعل عذاب العام الذي «درت» فيه على سفارات أمريكا وكندا ينتهي هنا، ولكن كانت الصدمة حينما منحني موظف الأمن هذه الورقة الصغيرة، وورقة أخرى تضم عدداً من المستندات التي يجب ترجمتها الى اللغة الانجليزية في حالة الرغبة في زيارة الاصدقاء أو الاقارب في هولندا، السفر للسياحة، أو العمل، وليس بها أي شىء عن الهجرة.

وأضاف: لقد بعت سيارتي ولم أعد أمتلك شيئاً، وحلمي الآن هو الهجرة لأي دولة أجد فيها فرصة عمل، وأضمن مستقبلاً أفضل لأبنائي.

ورغم كل ما يقال عن أن المصريين جميعاً نسيج واحد، وأن المسلمين والأقباط هما جناحا الأمة، إلا أن المناقشات التي دارت بيني وبين أولئك الواقفين أمام السفارة أكدت أن هناك فجوة حقيقية، وأن منهم الكثيرين ممن يشعرون بالاضطهاد بالفعل، حتى أنهم يخافون ذكر أسمائهم التي تدل على ديانتهم، وأن منهم من يشعر بالغربة هنا ومن ثم فهو لا يخشى الغربة في أي بلد آخر، هذا ما أكده أحد الرافضين لذكر اسمه، مشيراً إلى أنه كان يعمل بوزارة الداخلية، وتم انهاء خدمته لخلاف بينه وبين أحد الضباط بمصلحة الأحوال المدنية عام 2004، ومن وقتها وهو يعمل سائقاً ولديه أسرة مكونة من الزوجة وطفلين.

وأضاف: البلد كانت حالتها الاقتصادية سيئة، ولكننا كنا نعيش فيها، ولكن سوء الأحوال السياسية أيضاً سيؤدي الى مزيد من الخسائر الاقتصادية، وبالتالي لم يعد لنا أي أمل في العيش فيها، لابد أن أعيش في مكان يحترمني لكي احترمه، ولكننا لا نشعر بهذا في مصر، وأضاف: أنا أبحث عن الهجرة ليس خوفاً من سيطرة الاسلاميين، ولكن لأني لا أجد حقوقي في بلدي، فالمسيحيون لا يخافون، ولكن ما ذنب أولادنا أن يعيشوا في هذه الظروف السيئة لذلك، فالهجرة لأي بلد أفضل من البقاء هنا، مهما كان العمل الذي سأعمل به هناك.
وأضاف: الاخوان والسلفيون خائفون من بعضهم، ولكن المسيحيين لا يخافون انما يهاجرون بحثاً عن حياة أفضل.

وإذا كانت الاحصاءات تؤكد أن عدد المسيحيين في مصر يتراوح بين 8 الى 10 ملايين مواطن، فإن حلم السفر أصبح يراود مخيلة العدد الأكبر منهم، خاصة بعد الخلاف الدائر الآن حول الدستور، وما يشاع عن عدم اعتراف فصيل من التيارات الاسلامية المشاركة في السلطة بحقوق المواطنة، والمادة الثانية من الدستور بالاضافة الى سيطرة الاسلاميين على الحكم، ولكن حنا فوزي محامي وأحد راغبي الهجرة أكد أن السبب ليس هو هذه الحالة من التفرقة التي يشعر بها المسيحيون في وطنهم، ولكنها الظروف الاقتصادية التي جعلت الحياة صعبة جداً في مصر، وبالتالي فالحل الوحيد هو الهجرة ليس لجوءا دينيا، ولكن بحثاً عن حياة أفضل، وأضاف: كنا نتمنى أن نشعر بتحسن الأحوال بعد انتخاب رئيس جديد، ولكن هذا لم يحدث، فلو أصدر الرئيس قرارات فورية بتحسين أحوال المصريين فيما يخص العيش والبوتاجاز والبنزين والأسعار، اسوة بما قام به تجاه عودة مجلس الشعب، لشعرنا بشىء من الطمأنينة، ولكن هذا لم يحدث وبالتالي ساءت الأحوال كثيراً.
ويواصل حنا فوزي: رغم أنني محام إلا أنني لم أعمل بمهنتي نظراً لقلة الدخل، وعملت في شرم الشيخ وللأسف بعد ضرب السياحة، لم يعد أمامي سوى الهجرة من البلد ليس على أمل تكوين ثروة، وإنما من أجل تحقيق أحلامي في الحياة الكريمة لي ولأسرتي وهذا هو السبب الوحيد وراء هجرة المصريين سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين، ولكن تبدو مشكلة المسيحيين أكبر لأن البلد ليس لها أي معالم واضحة، ولا نعرف كيف سيكون شكل المستقبل، فنحن نحب مصر ولكن الظروف الاقتصادية والسياسية تجبر أبناءها على الهجرة.

أما يوسف غالي «28 عاما» فقد جاء الى السفارة طمعاً في الفوز بفرصة الهجرة التي يبحث عنها منذ ما يقرب من 12 عاماً، مشيراً الى أنه يحمل دبلوماً تجارياً ويتقن اللغات الانجليزية والفرنسية والألمانية نتيجة عمله في الغردقة طوال الفترة الماضية، مؤكداً أنه تقدم لسفارات أمريكا، وكندا، وهولندا وبلجيكا طالباً الهجرة ليس من أجل المال، ولكن بحثاً عن الحق في الحياة، الغريب أن يوسف رافض تماما لفكرة الزواج في مصر، متسائلاً: لماذا أتزوج وأنجب أطفالاً يعانون مثلما عانيت في التعليم والطرق والمستشفيات، ولا يحصلون على أدنى حقوقهم الانسانية؟!

ورغم رفض أربع سفارات من قبل لطلب يوسف بالهجرة الا أنه جاء للمرة الخامسة مكرراً المحاولة، مؤكداً أنه إذا لم تنجح هذه المرة فهناك طريقة أخرى وهى السفر للسياحة ثم أقوم «بكسر» الفيزا والعمل هناك في أي مهنة، وبعدها سأتقدم للمحكمة بطلب لجوء ديني وخلال 15 يوماً سأحصل على اللجوء، ولكن هذه الطريقة ستتكلف 60 ألف جنيه، فاذا لم تنجح الهجرة بالطريقة التي تم الاعلان عنها، سألجأ للطريقة الثانية وسأتحمل التكاليف، فهذا أفضل من البقاء في بلد ليس لي أي حق فيها - على حد قوله -.

الغريب أن هذا الاقبال على الهجرة لم يلق أي رد فعل من الحكومة ولا من الرئيس محمد مرسي، في حين أن رد الفعل الوحيد جاء من المرشح السابق للرئاسة حمدين صباحي والذي ناشد الأقباط بعدم الانصياع لقرار هولندا بفتح باب الهجرة لأقباط مصر، مشيراً الى أن مصر للمصريين جميعاً مسلمين وأقباطاً، ومع ذلك لم تلق هذه المناشدة أي رد فعل، ومازالت الأعداد تتزايد كل يوم على سفارة هولندا بحثاً عن حلم الهجرة.