تتهم غالبية اللاجئين السوريين النازحين عبر الحدود إلى لبنان نظام الرئيس بشار الأسد بالمسؤولية عن سفك الدماء في بلدهم، ويؤيدون حملة المعارضة لإسقاطه. لكن مراقبين يشيرون إلى أن الصورة كثيرًا ما تكون معكوسة بنظر المسيحيين المنكوبين بهذا الوضع.

يلاحظ هؤلاء المراقبون أن الانتفاضة، التي تقودها الغالبية السنية، أثارت قلقًا بالغًا بين المسيحيين، الذين يشكلون نحو 10 في المئة من السكان. إذ يقول بعض المسيحيين إنهم يلمسون بُعدًا إسلاميًا متطرفًا بين المقاتلين يدفعهم إلى الخوف من المستقبل.

ورغم أن الكثير من المسيحيين الشباب يتعاطفون مع الانتفاضة، فإن غالبية المسيحيين ما زالوا، على ما يُعتقد، يؤيدون النظام الذي يعتبرونه ضامن حقوق الأقليات، في وقت يصادر حرية التعبير، ويسحق كل أشكال المعارضة السياسية.

من بين الذين نزحوا إلى لبنان مسيحيون من بلدة القصير في محافظة حمص. يقول هؤلاء إنهم تعبوا من التهديدات والتشنيعات العلنية بوصفهم "كفارًا" و"كلاب" الأسد.

يتذكر هؤلاء حملهم بالإكراه على حضور اجتماعات حاشدة ضد الأسد والعلويين. ونقلت صحيفة لوس أنجيلوس تايمز عن امرأة مسيحية قولها "لو كان مناوئو النظام يعملون بطرق سلمية لربما وقفنا إلى جانبهم، ولكنهم كانوا فظيعين، مارسوا النهب والسلب"، على حد تعبيرها.

يشكل اللاجئون المسيحيون نسبة ضئيلة من عشرات آلاف السوريين السنّة في الغالب الذين عبروا الحدود. وقال العديد منهم إنهم نزحوا نتيجة إحساس بالعداء وحتى بالكراهية تجاههم من جانب مقاتلين إسلاميين، بعضهم متطرف وجاء من خارج سوريا.

ويصعب التأكد من قصص اللاجئين المسيحيين، الذين إلتقاهم مراسل صحيفة لوس أنجيلوس في مدينة زحلة في البقاع وغيرها من المناطق السورية، لا سيما وأن جميع الذين تحدثوا رفضوا حتى إعطاء أسمائهم الأولى. فكلهم يأملون بالعودة إلى سوريا ذات يوم، ولكنهم يخافون من أعمال الانتقام.

كثيرون فقدوا بيوتهم وأحباءهم، وهو مصير يشاطرهم فيه جيرانهم السنة، حين كانوا يتعايشون جنبًا إلى جنب. لكن البعض يرى أن هذا هو القاسم المشترك الوحيد بينهم الآن.

وإذ يتذكر المسيحيون السوريون معاناة أشقائهم المسيحيين العراقيين، وصعود متطرفين إسلاميين في أعقاب الغزو الأميركي وسقوط صدام حسين فإن بعض المسيحيين السوريين، الذين نزحوا إلى لبنان، يخشون أن تكون طائفتهم هدفًا مماثلاً، وخاصة بعد وصول المواجهات إلى مدينتي حلب ودمشق، اللتين تضم كل واحدة منها تجمعات مسيحية كبيرة. وكانت المدينتان ظلتا نسبيًا في منأى عن النزاع قبل أن ينتقل القتال إليهما منذ تموز/يوليو.

وأبدت منظمات مسيحية في أنحاء العالم قلقها على محنة الأقلية المسيحية في سوريا. ودعا البابا بنديكتوس السادس عشر مرارًا إلى إنهاء العنف الذي يهدد الجميع، مسيحيين ومسلمين، وينذر بتقويض الاستقرار في عموم الشرق الأوسط. ويعتزم الحبر الأعظم زيارة لبنان في منتصف أيلول/سبتمبر، رغم الخوف من فيض النزاع عبر الحدود.

وقال رئيس أساقفة الكلدان المسيحيين في حلب المطران أنطوان أودو في اتصال هاتفي مع صحيفة لوس أنجيلوس تايمز من حلب، التي تشهد مواجهات بين قوات النظام والمعارضة للسيطرة عليها، إن مسيحيي المدينة يأملون بألا ينشأ وضع مماثل للوضع في حمص "فإن هذا يمكن أن يكون كارثة علينا".

وحاول المسيحيون عمومًا أن يبقوا خارج النزاع بنتائج متناقضة. وتحدثت تقارير مختلفة عن محاولات قام بها نظام الأسد لتسليح تجمعات سكانية مسيحية ضد مقاتلي المعارض، ولكن النظام وقادة الطائفة نفوا ذلك.

يبدو واضحًا من المقابلات التي أُجريت مع مسيحيين نازحين في لبنان أن بلدة القصير أصبحت جبهة ملوثة بوصمة الطائفية، على حد تعبير صحيفة لوس أنجيلوس تايمز.

وفي ما يبدو استثناء عن القاعدة، حمل بعض المسيحيين في القصير السلاح إلى جانب النظام، بحسب تقارير مختلفة، بينها شهادة راهبين كانا في المنطقة. وقالت عائلات مسيحية إن ذلك كان دفاعًا عن النفس، ولكن تسلح المسيحيين استنزل عليهم انتقام مقاتلين وُجّهت إليهم تهمة خطف وإعدام مسيحيين، يُشتبه في أنهم كانوا مخبرين ومتعاطفين مع النظام في القصير.

وقال الأب باولوا دال أوغليو، وهو يسوعي إيطالي، عمل عقودًا في سوريا "إن القصير شهدت صدامًا مسيحيًا ـ إسلاميًا حقيقيًا، وكان هناك مسيحيون أوجدوا نوعًا من المقاومة الفاعلة". واعتبر القس اليسوعي أن العناصر الطائفية في صفوف المعارضة المسلحة "مجموعة صغيرة".

وقال الأب دال أوغليو في مقابلة صحافية معه في بيروت خلال الشهر الماضي "إن جهاديين مندسين ومجموعات متطرفة ذات خلفية ثقافية تتيح لها ممارسة الكراهية الطائفية إخترقوا صفوف الثورة".

ويرى قساوسة آخرون أن البعد الطائفي موجود بقوة بين العديد من الفصائل المسلحة، التي تقاتل لإسقاط نظام الأسد، وأن الانتفاضة أدت إلى احتقان بين السنة والعلويين، أسهم في وقوع مجازر ارتكبها الطرفان على ما يُفترض.

وقالت الراهبة الكاثوليكية أغنيس مريم، التي كانت راهبة دير في حمص، لصحيفة لوس أنجيلوس تايمز، "إن كابوس المسيحيين حدث عندما اكتسبت الثورة وجهًا إسلاميًا. إنه ليس الإسلام المعتدل، الذي نعرفه في سوريا، بل نحن نتحدث عن شكل عدواني وقهري".

وكانت الراهبة الأم أغنيس مريم، التي تعيش الآن في أوروبا، من منتقدي ما تسميه خروقات ارتكبتها قوى معارضة. وتلقت بسبب آرائها تهديدات بالقتل أجبرتها على الفرار، كما تقول. وتنفي الراهبة اتهامات المعارضة بأنها من المدافعين عن النظام أو حتى من عملائه.

وقالت أغنيس مريم في اتصال هاتفي من بلجيكا "أنا ضد حماية فرق الموت ومجيء جماعات أصولية لتقويض استقرار البلد". وأضافت أن "لا أحد يعرف إلى أين سيقودنا هذا التغيير".

وأعلن العديد من قادة المعارضة أن هدفهم إقامة سوريا علمانية ديمقراطية، تُصان فيها حقوق الأقليات. وهم يرون أن أصواتًا مثل صوت الراهبة مبالغة وتحريضية. وقال جورج صبرا عضو المجلس الوطني السوري إن الانتفاضة ليست ضد المسيحيين أو أية أقلية أخرى. وأضاف "إن التيار الإسلامي في سوريا تيار معتدل".

وما زالت مئات العائلات المسيحية تعيش في مناطق مختلفة من مدينة حمص المدمّرة، كما قال قس كاثوليكي زار المنطقة في تموز/يوليو. وتشير تقارير إلى أن سلسلة من البلدات والقرى المسيحية خارج المدينة ظلت في منأى عن الحرب، رغم أن عدد سكانها ارتفع باستقبال مسيحيين نزحوا إليها هربًا من أعمال العنف في مناطقهم.

وينتظر المسيحيون في الخارج ما سيحدث، محاولين العيش عبر أداء أعمال مختلفة، والاعتماد على مدخراتهم الناضبة والمساعدات الإنسانية من منظمات مسيحية. وإذا سقط نظام الأسد فإن كثيرين منهم يرون مستقبلاً كالحًا. وقال عامل مسيحي هرب من القصير في الصيف الماضي "إذا عدنا سنعيش مع أنفسنا وهم مع أنفسهم. وسيكون هناك انفصال".