في الجولة الأولى من الإنتخابات الرئاسية المصرية، كانت لدى الأقباط اختيارات متنوعة ما بين 3 مرشحين يعبّرون عن الليبرالية والدولة المدنية، ويحفظون لهم حقوقهم. أما في جولة الإعادة فليست أمامهم أية خيارات، ولذلك قرروا اختيار المرشح أحمد شفيق، لأنهم قطعوا على أنفسهم عهداً منذ الجولة الأولى يقضي بعدم انتخاب أي مرشح إسلامي.

الاقباط في انتخابات مصر
قساوسة يصوّتون في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية

صبري حسنين من القاهرة: إنهم أقباط مصر، الذين لم يعد لديهم خيار في الجولة الثانية من الإنتخابات الرئاسية سوى الفريق أحمد شفيق، لاسيما أن هناك شبه عداء مع جماعة الإخوان المسلمين، والتيار الإسلامي عموماً، لاسيما أن الأقباط شكلوا كتلة تصويتية واضحة، وقفت إلى جوار شفيق في الجولة الأولى، خاصة بعد إجراء نحو 18 منظمة قبطية استطلاعاً للرأي، أظهر أن الأقباط قرروا اختياره بنسبة 70%، بينما جاء المرشحان عمرو موسى وحمدين صباحي في المركزين التاليين. الأقباط أقل حيرة من باقي المصريين، الذين يجدون أنفسهم في موقف صعب ما بين شفيق ومرسي.

رداً على الفزع
وفقاً للمفكر المصري جمال أسعد، فإن الأقباط لم يعد لديهم أي خيار سوى أحمد شفيق، لاسيما أن خطاب التيار الإسلامي السياسي في مصر بعد الثورة أثار فزعهم.

وقال لـ"إيلاف" إن الأقباط عانوا طوال الـ15 شهراً التي تلت الثورة من فتاوى التكفير التي أطلقها بعض الإسلاميين، تزامناً مع دعوات إقامة الخلافة الإسلامية، ودعوات تحثّهم على الهجرة للخارج، إذا كانت لا تروقهم إقامة دولة إسلامية في مصر، مشيراً إلى أن الأقباط صوّتوا في الجولة الأولى لعمرو موسى وأحمد شفيق وحمدين صباحي، وقليل منهم أعطى صوته للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.

ولفت أسعد إلى أن اتهام الأقباط بخيانة الثورة، بسبب التصويت لمصلحة شفيق إتهام باطل، ويصبّ في خانة الطائفية، كما إنه اتهام غير معقول، لأن هناك ملايين المسلمين الذين صوّتوا لمصلحته أيضاً. وأشار أسعد إلى أن الأقباط ليس أمامهم سوى التصويت لمصلحة أحمد شفيق في الجولة الثانية من الإنتخابات الرئاسية، معتبراً أنه من النادر أن يصوّت قبطي لمصلحة مرشح الإخوان الدكتور محمد مرسي.

خلاف عميق مع الإخوان
مايكل تمري، عضو إتحاد شباب ماسبيرو، وهي حركة شبابية قبطية تشكلت في أعقاب حادث كنيسة أطفيع في آذار/مارس 2011، يرى أن نحو 99.9 % من الأقباط سوف يصوّتون لمصلحة أحمد شفيق. وقال ل"إيلاف" إنهم لن يختاروا مرشح الإخوان محمد مرسي، لاسيما أن التيار الإسلامي في مصر بعد الثورة يعتبرهم كفاراً، كما إن مرسي قال إنه لو صار رئيساً للجهورية سوف يجبرهم على دفع الجزية.

ولفت إلى أن الخلاف بين الأقباط والتيار الإسلامي السياسي في مصر عميق جداً، كما إن الإخوان عادة يخلفون وعدهم، ولا يمكن الوثوق بهم، مشيراً إلى أن قطاعًا عريضًا من مسلمي مصر لا يثقون بهم، فما بالنا بالأقباط.

ونبه تمري إلى أن هناك بعض الأقباط ممن ينتمون إلى التيار الثوري سوف يقاطعون الإنتخابات، لعدم رضاهم عن نتائج الجولة الأولى، إضافة إلى أنهم لا يرغبون في إعادة إنتاج النظام السابق، لكنه يعتبر أن هؤلاء قلة مقارنة بالأقباط الذين سيذهبون إلى صناديق الإقتراع من أجل التصويت لشفيق في مواجهة الإخوان.

الدولة المدنية
رغم أنه شارك في الثورة، وهتف بسقوط النظام السابق، الذي كان أحمد شفيق جزءاً منه، إلا أن عماد سمير، وهو قبطي يعمل صيدلانياً، قرر اختيار شفيق في جولة الإعادة. وقال لـ"إيلاف" إنه كان بين خيارين، كلاهما صعب، إما المقاطعة أو التصويت لشفيق، مشيراً إلى أنه قرر الركون إلى الخيار الأخير، وبرر ذلك بأن شفيق سوف يحافظ على الدولة المدنية، ولن يجعلها دولة دينية، إضافة إلى أنه سوف يحدث توازنًا بين السلطات، لاسيما في ظل سيطرة الإسلاميين على البرلمان، وسعيهم إلى السيطرة على الحكومة والرئاسة، كما إنه وعد باختيار إمرأة قبطية في منصب نائب الرئيس، ومن السهل محاسبته وإقصاؤه في حال لم يحقق أهداف الثورة.

ولفت سمير إلى أن الأقباط لن يختاروا مرشحاً إسلامياً، وبرر ذلك بأن الإسلاميين يعتبرونهم كفاراً، ويسقطون عنهم حقوق المواطنة، وينظرون إليهم على أنهم أهل ذمة، يجب عليهم دفع الجزية مقابل الحماية، وهو منطق لم يعد التعاطي به صالحاً في العصر الحديث.

لا للمرشح الديني
وأكد الناشط القبطي نجيب جبرائيل، أن شفيق لم يثبت ضده أي اتهام بممارسة القتل في عهد النظام السابق، ولم يتورّط في موقعة الجمل، وإلا كان قدم للتحقيق، وأحيل على المحاكمة مع رموز نظام مبارك الآخرين.

وأضاف جبرائيل لـ"إيلاف" أن الأقباط اتخذوا على أنفسهم عهداً منذ الجولة الأولى بعدم انتخاب أي مرشح له خلفية إسلامية، مشيراً إلى أن الأقباط في جولة الإعادة سوف يختارون ما بين رئيس مدني ورئيس ديني، متوقعاً انحيازهم للدولة المدنية، التي تحفظ لهم حقوق المواطنة كاملة، وليست الدولة التي تطالب بدفع الجزية أو تدفع نحو الهجرة للخارج.

حرية التعبير والإختيار
ويصف الناشط القبطي صفوت جرجس رئيس المركز المصري لحقوق الإنسان أن إتهام قيادات الإخوان للأقباط بخيانة أهالي الشهداء والثورة المصرية، بسبب التصويت لشفيق، بأنها "تصريحات غير مسؤولة ومليئة بالأخطاء، ومن دون أدلة، وتعمل على تأجيج الطائفية في المجتمع، داعياً النائب العام إلى التحقيق في هذه التصريحات حفاظًا على وحدة وسلامة هذا المجتمع.

ويعتبر جرجس أن تصريح أمين عام حزب الحرية والعدالة في محافظة المنيا بشأن أن من قام بالتصويت لشفيق هي مجموعة غير مصرية، ومنهم أقباط وفلول، هو اتهام غير حقيقي وغير مقبول، وينبغي ألا يتم تقسيم المجتمع بهذا الشكل.

وأضاف أن مثل هذه التصريحات تعبّر عن مصالح ضيقة، تقوم على الفرز الديني بين المواطنين. وينتقد جرجس تصريحات منسوبة إلى الدكتور محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة بشأن تأكيده على دفع الأقباط للجزية أو الهجرة في حالة انتخابه رئيسًا للجمهورية اعتراضًا على انتخاب عدد من الأقباط لشفيق، واصفاً إياها بأنها تصريحات تؤثر في السلم الاجتماعي.

وقال جرجس إن الأقباط مارسوا حقهم في حرية التعبير وحرية اختيار من يمثلهم، مشيراً إلى أن مصادرة الإخوان هذا الحق يتعارض مع مبادئ ثورة 25 يناير، ولفت إلى أن الأقباط عقدوا العزم على عدم اختيار أي مرشح ديني.