مازال الهجوم الذي استهدف كنيسة سيدة النجاة الكاثوليكية في بغداد يثير مزيدا من التساؤلات حول دوافع استهداف الأقليات الدينية في العراق، وخصوصا المسيحيين، الأمر الذي يدفع بالكثيرين منهم إلى الهجرة بحثا عن الأمان.

مرة أخرى، يُستهدف المسيحيون في العراق بأعمال عنف يفسرها كثيرون على أنها محاولة لإجلائهم عن وطنهم. الجديد في الهجوم، الذي تبناه ما يسمى بـ " دولة العراق الإسلامية" أو فرع تنظيم القاعدة الإرهابي في العراق، أنه الأكثر دموية من بين الهجمات التي استهدفت الأقليات غير المسلمة في بلاد الرافدين.

فقد بدأ المهاجمون، الذين لم يعرف تماما كم كان عددهم، حسب بعض شهادات الناجين بـ "قتل بعض المصلين نساء وأطفالا وقساوسة حال دخولهم الكنيسة، ثم وجهوا رسالة إلى الكنيسة المصرية تمهلها "ثمانيا وأربعين ساعة لكشف حالِ مسلمات" يزعم بيان القاعدة أنهن سجينات لدى الكنيسة القبطية بمصر، واتخذوا من المصلين رهائن في المكان. وجاء رد فعل سلطات الأمن العراقية سريعا، فبعد 3 ساعات من الإنذار اقتحمت قوات الأمن الكنيسة بالقوة لتحرير الرهائن، الأمر الذي زاد في عدد الضحايا.

"الهجوم الإرهابي جزء من مخطط يستهدف إخلاء العراق من مكوناته"

الناشط  العراقي في الدفاع عن الأقليات كامل زومايا اعتبر، في حديث مع دويتشه فيله، أن عملية الاقتحام "متسرعة كما أن خطة الاقتحام لم تكن محكمة حيث لم تعتمد مبدأ إنهاك الخاطفين بمرور الوقت. وطالب الحكومة بتفسير هذا التسرع حيث تمت عملية الاقتحام قبل انقضاء المهلة. وأعرب  زومايا عن اعتقاده بأن المسيحيين "مستهدفون بشكل منظم لترحيلهم"، مؤكدا أن"الهجوم الإرهابي هو جزء من مخطط يستهدف إخلاء العراق من مكوناته".

وشدد زومايا على أن المسيحيين في العراق يعانون من إهمال إذ تفتقر مناطق وجودهم الرئيسة في سهل نينوى إلى أبسط  أنواع الخدمات. وبيّن زومايا أن عدد المسيحيين في العراق قد تناقص إلى نحو 400 ألف من أصل مليون وربع  مليون، وأغلب هؤلاء الباقين تركوا مناطق سكناهم في بغداد والبصرة والموصل واتجهوا إلى إقليم كردستان العراق حيث "لا يعانون من تمييز ولا يتعرضون لهجمات تستهدف وجودهم".

واستبعد زومايا وجود علاقة بين هجوم القاعدة على الكنيسة وبين الحكم الصادر بحق طارق عزيز وزير الخارجية السابق في حكومة صدام حسين، معتبرا عزيز "أداة بيد  حزب البعث الحاكم آنذاك وبأنه لم يكن يمثل مصالح المسيحيين في أي وقت".

"القاعدة شنت الهجوم لأغراض إعلامية"

لكن الكاتب والمحلل السياسي العراقي غالب الشابندر لفت الأنظار إلى أن تقارير الخبراء تشير إلى وجود تسرّع في عملية إنقاذ الرهائن وأنها تمت دون دراسة دقيقة لما كان يجري داخل الكنيسة. وأضاف الشابندر، في حوار مع دويتشه فيله، بأن "مثل هذه العمليات تتطلب وقتا طويلا لإحداث إرباك داخل مجموعة الخاطفين، لكن إذا ثبت أن الخاطفين قد بدأوا بقتل الرهائن فعلا حال دخولهم الكنيسة، فإن توقيت عملية الاقتحام قد يكون مبررا، لكن هذا لا ينفي أن هذه العملية لم تكن مُحكمة".

واستبعد الشابندر أن يكون هدف العملية إخلاء العراق من المسيحيين، كما استبعد الفرضية التي تقول إن هناك مخططا يرمي إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأقليات غير المسلمة، مشيرا إلى أنه يعتقد أن "القاعدة قامت بهذه العملية لأغراض إعلامية، لأن قتل عشرات من المسيحيين لن يدفعهم إلى الهجرة، فهم متمسكون بهويتهم ووطنهم العراق". وشدد الشابندر بأن القاعدة تسعى من وراء هذه العملية توجيه رسالة فحواها "أنها ما زالت موجودة وقوية في الساحة العراقية".

ردود الفعل

أعلن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أن بلاده "تدين بشدة هذا العمل الإرهابي"، فيما أعلن وزير الهجرة الفرنسي اريك بيسون استعداد بلاده لاستقبال 150 شخصا، وفي الدرجة الأولى من "الأشخاص الذين أصيبوا بجروح في الهجوم وعائلاتهم". واستنكر المرجع الشيعي العراقي آية الله على السيستاني الاعتداء الذي استهدف كنيسة سيدة النجاة وسط بغداد داعيا قوات الأمن إلى تحمل المسؤولية في حفظ الأمن.

من جانبه ،دان مجلس كنائس الشرق الأوسط الهجوم على الكنيسة في العراق أثناء قداس الأحد، مؤكدا تضامنه مع مسيحيي العراق والسعي لعدم تفريغ البلاد منهم. وثمّن المجلس موقف المرجعيات الإسلامية التي أدانت هذا الاعتداء، مؤكدا ضرورة العيش المشترك الذي يخدم السلام والاستقرار العالميين.

dw