أبدى وزير الشؤون الدينية والأوقاف السوداني أزهري التجاني استغرابه مما أثير من مخاوف على ملف التعايش الديني في السودان، وخصوصا بعد تصريحات الرئيس عمر حسن البشير حول وضع قوانين الشريعة الاسلامية موضع التنفيذ العملي حال إعلان إنفصال جنوب السودان في التاسع من يناير/ كانون الثاني الجاري.
 
ونفى التجاني، في حوار مع دويتشه فيله، وجود أي مبرر لأي تخوف على وضع الكنيسة في شمال السودان عقب انفصال الجنوب. وأضاف الوزير بأنه على مدار وجود تاريخ الكنيسة في السودان لم تتشكل عليها ضغوط ذات طبيعة دينية تمييزية لأن الكنائس في السودان، بحسب الوزير، متنوعة وهي ليست كلها تابعة للجنوبيين، فهناك كنائس تابعة لطائفة الأقباط وأخرى خاصة بأهل جبال النوبة والنيل الأزرق وغيرهم من الطوائف الدينية التي لا تنتمي لجنوب السودان.

الدولة لا تدير الكنائس والمساجد

وقال وزير الأوقاف السوداني إن الدين لاحدود له، وفي رأيه، حتى لو انفصل الجنوب عن الشمال، فإن الرسالة الدينية ستكون متصلة. وعلى هذا الأساس يقول إنه لا خوف على الكنيسة، لأن "العامل الديني لا يشبه العامل السياسي". ويوضح التيجاني فكرته بأن في السياسة استقطابا حادا وشدا وجذبا، وهذا الشد والجذب لا يوجد في الحياة الدينية بهذا المستوى.
 
وكشف التجاني عن حوارات بين الأديان، تمت خلال الأعوام الخمسة الماضية، أدارتها وزارته. الأول كان مؤتمر الحوارالإسلامي الإسلامي، والثاني مؤتمر الحوار المسيحي المسيحي، وأخيرا مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي. ومن خلال هذه الحوارات "توصلنا إلى أن الفكر الديني المتطرف لا يوجد في السودان، وإنما يوجد في البيئة المحيطة بالسودان".
 
وأشار الى أن هذه المؤتمرات أدارت حوارا عميقا بين الأديان في كيفية إصلاح الحياة الدينية حتى تكون متزنة وبدون تطرف. وأكد لدويتشه فيله أن "الدولة، ممثلة في وزارته، لا تدير الدين". وهي بالتالي لا تدير المساجد ولا الكنائس، وإنما رجال الدين المسيحي والإسلامي يديرون كنائسهم ومساجدهم بأنفسهم حسب احتياجات رعاياهم. وحسب الوزير، فإن "الكنائس حرة في خطابها الديني الذي  توجهه لرعاياها والدولة لا تتدخل فى هذا الخطاب ولا تتحكم فيه".

"المسيحية تقوى بالمصاعب ولا خوف على العبادة"

وعند مدخل الكنيسة الأسقفية بالخرطوم، وقبل أيام من الاستفتاء، كان كل شيء هادئاً. يدخل المصلون الى باحة الكنيسة فى هدوء وخشوع. دويتشه فيله تحدثت إلى القس حسن الفيل الذي استهل كلامه بالقول بأن الكنيسة على مدار تاريخها مرت بكثير من الصعوبات ولكنها كانت تقاوم هذه الصعوبات وتتغلب عليها وتستمر في أداء رسالتها. وأضاف القس أن إعلان تطبيق الشريعة فى الشمال حديث سياسي لا يمسهم من قريب أو بعيد. إلا أنه طالب السياسيين بمعالجة المشاكل الحقيقية التى يعاني منها المواطن السوداني قبل التحدث عن تطبيق الشريعة أو غيرها.

وحسب الفيل فإن الشريعة لن تتمكن، في حال طبقت، من معالجة مشاكل الغلاء والتعليم والسكن والعلاج، وكلها مشكلات تحتاج إلى علاج جذري. إلا أن القس شدد على أن تطبيق الشريعة الاسلامية، في الشمال لن يمنعهم من عبادة الله كمؤمنين مسيحيين. وأضاف بأنه "إذا كان هناك  تضييق وتقييد على حريات الناس في العبادة، فأنا كرجل دين سأواصل أداء رسالتي تجاه الكنيسة ورعاياها حتى لو أدى ذلك لموتي". وتوقع الفيل أن تكون  المسيحية فى شمال السودان أقوى من المسيحية في الجنوب لأن الديانة المسيحية، حسب كلامه، تظهر أكثر صلابة كلما كانت الأوضاع صعبة.
 
في ناحية أخرى، داخل باحة الكنيسة الواسعة، وبعد أن أدت قلوريا آدم صلواتها، والمعروفة على نطاق واسع بـ" مادو"، استهلت حديثها لدويتشه فيله بأنها لا تعتقد أن حديث الرئيس البشير حول تطبيق الشريعة الإسلامية سيغير شيئا من وضع الكنيسة فى الشمال؛ لأن الكنيسة لم تتأثر كثيرا بتطبيق الشريعة في عام 1983. فالمسيحيون، والكلام لمادو، ظلوا يمارسون صلواتهم وشعائرهم الدينية بدون مشاكل تذكر. من هنا تؤكد بأنه لاخوف على المسيحيين من ممارسة عبادتهم في الشمال في حال عودة الشمال إلى تطبيق الشريعة الإسلامية.

"الشريعة تنتهك حقوق الآخرين"

أما ماكور بار، الذي اعتاد على أداء صلواته بالكنيسة الأسقفية منذ أكثر من 6 سنوات، فبدا غاضبا وهو يتحدث لدويتشه فيله، مشيراً إلى أن تطبيق قوانين الشريعة سيؤدي إلى انتهاك حقوق الآخرين. وأكد أن هناك مسيحيين من غير الجنوبيين فى الشمال، فيهم أجانب وسودانيون. فحتى "لو فرضنا أن الجنوبيين ذهبوا الى الجنوب، فهناك مسيحيون من طوائف أخرى يترددون على الكنيسة في الشمال".
 
وشدد بار على أن الدولة السودانية قامت على فكرة التنوع والتعدد وبالتالي "لا يجوز أن تنتهك حقوق الاخرين فى ظل تطبيق الشريعة". وأعرب عن خشيته من أن يبرز التعصب الديني في حال طُبقت الشريعة فى الشمال، وأن يؤدي هذا التعصب الى مشكلات بين المسيحيين والمسلمين. وقال إن المسيحيين، حتى ولو كانوا أقلية، فلن يرضوا بتطبيق قوانين الشريعة عليهم، لأنها لن تحترم حقوقهم. وتخوف بار من أن "يؤدي تطبيق الشريعة إلى صراع بين الطرفين مثلما هو حادث في نيجيريا الآن".
 
وتساءل بار: إذا تم  تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في الشمال وتم التضييق على المسيحيين، فهل يعني هذا بالمقابل التضييق أيضا على المسلمين فى جنوب السودان وحرمانهم من أداء شعائرهم الاسلامية؟  ويجيب بار قائلا بأن "وضعا كهذا سيكون خطيرا جدا على المسلمين والمسيحيين على السواء".

عثمان شنقر ـ الخرطوم / د ب ا