هل الحكومة التي تزج بربع مليون عسكري وأمني وشرطي لحماية مناسبة دينية في النجف أو كربلاء، ثم "تعجز" عن حماية الأقلية المسيحية، وهي أهل البلد الأصليون؟!هل هذه الائتلافات الانتخابية المختلفة، بشعاراتها الصاخبة والمبهرجة، والتي يقال أن ليس بينها ما يخص حماية المسيحيين؟! هل مجلس محافظة الموصل، ومجالس بقية المحافظات؟!دم يسل، ودموع تنهمر، منذ اليوم الأول لتحرير العراق، ولم نر مجرما واحدا قتل مسيحيا أو أحرق كنيسة يقف أمام القضاء لينال العقاب، ولا سمعنا أن ما يدعي بهيئة العدالة، المدارة "قدسيا!!"، "اجتثت" واحدا من أفراد التيار الصدري، الذي كان جيشه الإرهابي أول من ولغت يداه بدماء العراقيين، من الشهيد عبد المجيد الخوئي وإلى شهداء المسيحيين في بغداد والبصرة.

دم يواصل المسيل، وكنائس تحرق، ونساء يجبرن على لبس الحجاب- فيما كل هؤلاء منهكمون بتقصي السبل التي تتيح لهم استمرار الاستحواذ على المناصب ونهب المغانم، حتى ولو كانت بطرق العنف والمتاجرة الانتخابية بالمذهب الاعتقالات ومهازل "الاجتثاثات"، وتوزيع الهدايا الانتخابية الدسمة، من مسدسات "خاصة"، فساعات، فدولارات، فزيادة كهرباء، ألخ. ألخ.

المسيحيون وحدهم يتظاهرون في بغداد، بغداد التي كانت في عهد الملكية وعبد الكريم رمز التآخي الديني والمذهبي والعرقي. يتظاهرون وحدهم، وكأن قضيتهم ليست قضية العراق كله. فهل كان بين المتظاهرين مرشحون من القوائم العراقية العلمانية؟ لا ندري. فإن كان، فمرحى، وإن غابوا، فبئس الموقف.

لقد كتبنا عن الموضوع مرارا، وبعنوان "عار اضطهاد المسيحيين"، وهذا العار يواصل ملاحقة القتلة وحماتهم وجميع الساسة والمؤسسات التي لا تبدي اكتراثا بما يجري. ألم يكن ممكنا مثلا لو أن البرلمان كان قد خصص جلسات خاصة للموضوع وحاسب الحكومة وحاصرها لتقوم بالتدابير الناجعة؟؟ ورجال الدين هؤلاء، الذين يفتون ب"حاكمية الأكثرية"، ويتدخلون في الانتخابات كل لحظة - وهو موضوع خارج نطاق واجبهم وصلاحياتهم -: أينهم يا ترى من هذه الدموع والدماء الزكية لمواطنين هم أبناء العراق الأوفياء؟! ألم تكف عمليات التهجير خارجا وداخلا؟! هل يحاسب المسئولون والبرلمانيون أنفسهم عما يجري أمام أبصارهم؟!

لكن هيهات! فالقوم منشغلون بمصالحهم الحزبية والسياسية والانتخابية. فمن يكترث لأطفال العراق وأرامله؟! ومن يكترث للدم المسيحي الطاهر وهو دم "كافر ذمي"؟!!!! ومن يبالي بتعطيش دول الجوار لوادي الرافدين وأهله؟!

يا ترى بماذا يتباهون؟! - بماذا؟! بالأمن الذي يتصدع؟ بالخدمات شبه العاطلة؟ بحقوق المرأة، المستباحة في جميع أنحاء العراق؟ بالمحاصصة السياسية الطائفية؟! بالسماح للتدخل الإيراني في الشأن العراقي وفي كل الميادين؟!

ها هم يتحدثون عن "حكومة الأكثرية الفائزة انتخابيا"، ومن قبل، كانت حكومات "توافقية" " محاصصية". حكومة أكثرية طائفية، وحكومة محاصصة طائفية عرقية. والنتيجة واحدة. ففي دولة ديمقراطية، فإن الأكثرية التي تفوز بالانتخابات هي التي تشكل الحكومة والخاسرون يشكلون معارضة. وهذا من مستلزمات الديمقراطية ومبادئها. أما في دولة شبه دينية ومذهبية كالدولة العراقية، فالأكثرية الفائزة – ويقصدون إتلافي المالكي والحكيم- هي أكثرية طائفية برغم تغير بعض اللافتات، وحكومة من هذه الأكثرية يسهل عليها الاستحواذ المطلق على كل مفاصل الدولة ومؤسساتها، وهي تكون تحت إغراء تحويل الدولة إلى دكتاتورية مذهبية مطيعة لنظام الفقه وسليماني باشا. إذن: فالنتيجة في الحالين: "سخونة أم موت"؟؟؟ وما بين البديلين يستمر المسيحيون بالتلاشي تدريجيا ما لم يهاجروا هجرة جماعية.

إنه لعار، بل، هو أشنع من العار. وإنها لكارثة حقا.

عزيز الحاج / ايلاف