رافع البروفسور جوزيف ويلر، أستاذ القانون في جامعة نيويورك اليهودي الأصل في 30 يونيو 2010 أمام المحكمة الأوروبية العليا لحقوق الإنسان مدافعًا عن الصليب، مكلفًا من قبل حكومات أرمينيا، بلغاريا، قبرص، اليونان، ليتوانيا، مالطا، الاتحاد الروسي، وإمارة سان مارينو.

تعتبر كل هذه الدول أن المحكمة الأوروبية قد أخطأت في تفسيرها لشرعة حقوق الاتحاد الأوروبي ولخلاصاتها في الحكم بشأن إزالة الصلبان من الأماكن العامة في الاتحاد الأوروبي احترامًا للحرية الدينية لغير المسيحيين.

وشرح ويلر أنه بينما تقبل الدول المذكورة أعلاه وتوافق بالكامل على حق حرية الدين و حق الحرية من الدين اللذين تدافع عنهما المحكمة، وبينها توافق بالكامل على أن صفوف المدارس يجب أن تربي على التسامح والتعددية، ترفض هذه الدول الوصول إلى هذه النتيجة وكأنها حتمية: أي أن الصليب يعبر عن التقليد المسيحي وبالتالي يعارض المبدئين أعلاه.

فمع أن واجب المحكمة الأوروبية المذكورة هو الحفاظ على حقَّي حرية الدين والحرية من الدين التي تشكل أرضية مشتركة في تكوين أوروبا، إلا أن هذا الموقف يقابله موقع الدين والتراث الديني في الهوية العامة للدول ولرموز الدول.
انطلاقًا من هذا المبدأ، هناك دول تشكل فيها "العلمانية" جزءًا من تعريف الدولة – مثل فرنسا – وفي مثل هذه الدول لا يمكن القبول بالرموز الدينية في الساحة العامة، بما أن الدين في هذه الدول يُعتبر واقعًا خاصًا.

ولكن شرعة حقوق الإنسان لا تفرض على أية دولة أن تعتنق مبدأ العلمانية هذا بتطبيقة الفرنسي. فهناك دولة مثل إنكلترا حيث هناك كنيسة دولة رأسها هو رأس الدولة البريطانية. في هذه الدولة، يدخل الصليب في علم الأمة ورمزها، والنشيد الوطني هو صلاة إلى الله لكي يحفظ الملك أو الملكة ويمنحهها النصر والمجد. إذا طبقنا على إنكلترا المقاييس التي تقدمها المحكمة الأوروبية، لكانت إنكلترا أنطولوجيًا خارجة عن القانون!

وشرح البروفسور اليهودي أن أكثر من نصف سكان أوروبا يعيشون في دول لا يمكن تعريفها بأنها علمانية على النسق الفرنسي. بكل تأكيد هذه الدول تتضمن تربية عامة، وللدولة رموزها العامة، ولكن القسم الكبير من هذه الرموز يعود إلى أصل ديني.

الكثير من رموز دول أوروبا تتضمن الصليب، ومن الخطأ أن يُعتبر هذا الرمز كمجرد رمز وطني، كما وأنه في الوقت عينه من الخطأ اعتبار هذا الرمز مجرد رمز ديني. هو كلا الأمرين، نظرًا لتاريخ هذه الدول.

"إن الحرية من الدين يجب أن تضمن للتلاميذ غير المؤمنين ألا يشتركوا في أعمال دينية أو أن يقوموا بطقوس دينية، أو أن يكون لهم ارتباط ديني كشرط للألقاب الوطنية".

يحق لهذا التلميذ – في حالة انكلترا – ألا يغني "فليخلّص الله الملكة"، ولكن هل يحق له أن يمنع الآخرين من الإنشاد؟

إن التراث الأوروبي يقدم حرية مثالية للعبادة للمسيحيين، المسلمين، اليهود، وكل الأديان. ولكن ضمن هذه الحرية، الاتحاد الأوروبي يقبل تعددية واختلاف الدول مثل فرنسا، إنكلترا، السويد، اليونان وإيطاليا. في كثير من هذه الدول لم يعد الشعب ملتزمًا دينيًا، ومع ذلك ما زال يرى في الرموز الدينية شيئًا من هويته الوطنية.

في السنوات الأخيرة، فتحت أوروبا أبوابها لاستقبال مواطنين جدد، ويجب أن تضمن لهم بنود شرعة حقوق الإنسان. ولكن "رسالة التسامح مع الآخرين، لا يجب أن تترجم في عدم تسامح ورفض للهوية الذاتية".

وعليه فالقرار الذي تبنته المحكمة لا يعبر عن مدافعتها عن تعددية الشرعة، بل تعبيرًا عن قيمة علمانية الدولة، "وتطبيق هذا المفهوم الأخير على كل الشرعة سيشكل، مع كل الاحترام، ‘أمركة‘ أوروبا على صعيدين:
"الصعيد الأول: تطبيق قانون واحد وفريد على الجميع؛ الصعيد الثاني: تطبيق طريقة عيش أمريكية متحجرة على كل الأصعدة، في فصل تام بين الكنيسة والدولة، وكأن المواطنين المؤمنين في الدول التي لا تقول بأنها علمانية لا يستطيعون أن يعيشوا بحسب مبادئ التسامح والتعددية. هذه ليست أوروبا!!".

فالشرعة الأوروبية تشكل توازنًا فريدًا بين حرية الفرد نحو الدين ومنه، وبين الحرية الجماعية لتمييز الدولة عبر استعمال رموز دينية.

روبير شعيب/زينيت