جريدة القبس الكويتية
 
تشهد الحريات الدينية في منطقة الخليج المعروفة تاريخيا بمجتمعاتها "التقليدية المحافظة"، تطورا كبيرا منذ عدة سنوات، مما ساهم في زيادة أعداد المسيحيين في دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء السعودية التي ما زالت تحظر ممارسة أي شعائر دينية غير الدين الإسلامي على أراضيها.
 
وتبعا لذلك، انتشرت أماكن العبادة والكنائس بشكل غير مسبوق في دول الخليج، وأخذ المسيحيون من كل الطوائف يتجمعون في تلك الأماكن ويقيمون صلواتهم بحرية وبشكل علني من دون أي قيود.
 
حتى أن الفنادق والمجمعات التجارية ومراكز التسوق الحديثة في الخليج أصبحت تتعامل مع مسألة تزايد أعداد المسيحيين بواقعية غير معتادة، حيث تقوم في كل عيد ميلاد والأعياد الأخرى التي يحتفل بها المسيحيون بتزيين متاجرها بزينة وعبارات وصور خاصة بهم وبطقوسهم.
 
يعيش في دول الخليج ملايين الأجانب تضم جاليات مسيحية كبيرة يصل تعدادها الى مئات الآلاف وربما اكثر من المليون، ومن أبرزها الآسيوية، ثم الأوروبية، تليها الأميركية ثم المسيحيون العرب.
قطر كانت آخر دولة خليجية تسمح ببناء الكنائس على أرضها.
 
ففي هذه الأيام، تكون نحو سنة وثلاثة أشهر قد انقضت على افتتاح أول كنيسة في البلاد خاصة بالكاثوليك تدعى "سيدة وردية"، في حين ينتظر افتتاح أربع كنائس جديدة خلال الفترة المقبلة تخص طوائف مسيحية أخرى بينها واحدة للطائفة الأورثوذوكسية وأخرى للأنجليكانية وثالثة للبروتستانت.
 
حرية العبادة
ويرى عدد من القساوسة ورجال الدين المسيحيين أن بناء هذه الكنيسة في قطر وغيرها في منطقة الخليج إنما يعكس تفهم حكومات المنطقة لأهمية التقارب وحرية العبادة، وضرورة أن تسود القيم المشتركة التي تدعو إليها جميع الأديان السماوية.
 
يقول الكاهن توم فينيراسيون المسؤول عن كنيسة "سيدة وردية" التي تتبع النيابة الرسولية في أبوظبي إن السماح ببناء كنائس في قطر والخليج إنما يعكس تجسيدا فعليا لحوار الأديان الذي يتكلم عنه كثيرون وتجدهم لا يدركون مدى أهمية وجدية هذا الحوار وعمق مضمونه للعيش في عالم أفضل، كثيرون هم الذين يتكلمون عن حوار الأديان فقط بالقول لا بالفعل.
 
ويضيف فينيراسيون إن بناء الكنيسة الكاثوليكية في قطر وغيرها في منطقة الخليج يترجم الحوار تطبيقاً لا نظرياً، ويؤكد بالواقع كيفية العيش المشترك وتفهم الآخر، فحوار الأديان يحتاج لأن يكون مصدر تفاهم وتوافق.
 
ويؤكد فينيراسيون أن الدستور القطري كفل للجميع حرية العبادة واحترام الأديان السماوية، لافتا الى أن الكنيسة للصلاة ممارسة العبادة فقط، وليس لها أية أهداف تبشيرية أخرى.
 
وبحسب فينيراسيون، فإن أعداد المسيحيين في قطر يفوق الآن 100 الف مسيحي، ويقول إن هناك أعدادا كبيرة من العاملين في هذه البلاد، يعيشون من دون عائلاتهم حيث يمرون بظروف قاسية في بعض الأحيان، فيجدون في هذه الكنيسة راحتهم وصفاء نفوسهم حين يلتقون بربهم في الصلاة، مما ينعكس إيجاباً على أدائهم وإنتاجيتهم في العمل من خلال الأمان والسلام اللذين ينعمون بهما.
 
وبلغت تكاليف بناء أول كنيسة في قطر نحو 20 مليون دولار، في حين لا تعلو الكنيسة من الخارج أي صلبان، وذلك بناء على اتفاق مع السلطات القطرية خشية أن يثير ذلك حساسيات في المجتمع القطري الذي ما زال متمسكا بشدة بعاداته وتقاليده المحافظة على غرار المجتمعات الخليجية الأخرى.
 
ويشرف على إدارة الكنيسة وتمويل أنشطتها، المطران الأسقف بول هندر المسؤول عن إدارة وتأمين وتمويل جميع الكنائس في منطقة الخليج.
 
المسيحيون في الخليج
وحسب إحصائيات حديثة، يصل تعداد الجاليات المسيحية في منطقة الخليج الى أكثر من 1.6 مليون شخص، وتختلف نسب تواجدهم من دولة الى أخرى، فهناك دول يتواجد فيها مسيحيون بنسبة 0.05% وأخرى بنسبة 10.5%، وأغلبهم وافدون لا ينتمون إلى دول مجلس التعاون، حيث وفدوا الى دول الخليج من أجل العمل، ومعظمهم من آسيا، وخصوصا الهند والفلبين، فضلا عن دول عربية أخرى مثل لبنان وسوريا ومصر، إضافة الى الوافدين من الدول الغربية.
 
قصة بناء الكنائس في منطقة الخليج تعود -بزخمها الذي اكتسبته حديثا- الى عام 2005، عندما قام "الميتروبيلان" الهندي بزيارة لإمارة دبي في العام ذاته، وعلى إثرها تم الاتفاق على افتتاح أولى كنائس الخليج، لتشمل فيما بعد كل الطوائف المسيحية من أرثوذوكس وبروتستانت وكاثوليك وإنجيل وأقباط وأرمن.
 
ويبلغ عدد المسيحيين في دولة الإمارات العربية المتحدة قرابة 500 ألف من مجمل عدد السكان، وهم يتمتعون بالحرية الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية في الكنائس التي بنيت على أراض منحت لهم هبة من شيوخ وأمراء المنطقة على غرار الكنائس التي يجري بناؤها في قطر.
 
ويعيش في البحرين حوالي 70 ألف مسيحي، يمثلون ما نسبته 5% من تعداد السكان، وتمثلهم طوائف الأقباط الأرثوذكس والأرثوذكس السريان والأرثوذكس مالانكارا.
 
ويصل عدد المسيحيين في سلطنة عمان الى نحو 65 الفا يمثلون ما نسبته 2.5% من عدد السكان، وأغلبيتهم ينتمون للكنيسة الأرثوذكسية، فضلاً عن وجود أعداد أخرى من الطوائف البروتستانتية الإنكليكانية الذين يتمركزون في مسقط.
 
وفي الكويت، يبلغ عدد المسيحيين قرابة 400 ألف، غالبيتهم كاثوليك رسوليون وأقباط، وتضم الطائفة الأولى 100 ألف مسيحي، فيما يصل تعداد الثانية الى 90 ألفا، ويتوزع الباقون على الأرثوذكس السريان ومالانكارا.
 
وفي السعودية، يمثل عدد المسيحيين فيها 4% من عدد السكان، أي قرابة 1.5 مليون مسيحي، والأغلبية من هؤلاء جاؤوا للمملكة من أجل العمل واستقروا فيها.
 
الكنيسة والدستور
ما رأي الدستور سواء في قطر أو في بعض الدول الخليجية من أمر بناء كنائس؟
 
يجيب عن هذا التساؤل الخبير في القانون الدستوري وحقوق الإنسان الدكتور فوزي أوصديق بقوله إن المادة 50 من الدستور القطري صريحة، وتكفل حرية العبادة المنصوص عليها في الشريعة، ومن هنا يمكن تصنيف أمر بناء كنيسة في قطر.
 
هذه المادة، صريحة، من حيث ضمان الحق الدستوري وهو حرية العبادة، ولكن يجب مراعاة خصوصيات المجتمع من خلال إسقاط المادة وفق الثقافة والذوق العام السائد في الدولة، والذوق العام السائد في دولة قطر والمنطقة هو الطابع الإسلامي، ولهذا وعكس المغالطات الشائعة، فهذه المادة وعكس ما يعتقده العديد لم تأت لتقنين الردّة، وهي ليست مادة منشئة لحق كان غير موجود في شريعتنا السمحاء بقدر ما هي كاشف لحق كان
 
موجوداً في شريعتنا الإسلامية، ولكن جاءت للمخاطبة بلغة العصر في مدونة دستورية على شكل مواد، والدليل على ذلك قوله تعالى: "لا إكْرَاهَ في الدّين".
 
أوصديق يؤكد أن جميع القوانين منظمة، لأن القوانين الموجهة هي تلك التي لا تعتمد لا على القانون الديموقراطي أو الشوري، ولا على حقوق الإنسان كمنهج، وبالتالي فإن المادة 50 من الدستور القطري موجودة في مختلف دساتير الدول الأخرى، سواء في الدول العربية أو الغربية، بالتنصيص على أن حق الديانة، مضمون ومكفول حسب النظام العام، وبالتالي فهذه المادة ليست بدعة قطرية.
 
ويبدو أنه وبالرغم من كل هذه التبريرات التي تسعى لتوضيح موضوع بناء الكنائس في المنطقة فان المواطنين في قطر على سبيل المثال ما زالوا غير مقتنعين بوجود كنيسة في بلادهم، فقد أشارت نتائج استطلاع غير رسمي أجري على القطريين بشأن رأيهم في وجود كنيسة في قطر الى أن 80% منهم يرفضون وجود مثل هذه الكنيسة.
 
رسالة محبة وتسامح
لكن، كيف ينظر المسيحيون أنفسهم للكنيسة في قطر؟.. يقول ماثيو وهو مسيحي كاثوليكي من الدانمرك إن إفتتاح الكنائس في دول الخليج يؤكد أنها دول تحترم الديانات السماوية، وتحتل صدارة الأمم في التأسيس لحوار الأديان، معبرا عن إحساسه بارتياح نفسي؛ لأنه أصبح يصلي عيد الفصح في الكنيسة بعد أن كان يؤديها في أماكن لا علاقة لها بالكنيسة، أو في إحدى القاعات التي عادة ما يلتقي فيها المسيحيون.
 
جون ستيوارت، مسيحي بروتستانتي من بريطانيا يصف أمر بناء الكنائس في المنطقة بالخطوة الجيدة، لافتا الى أن ذلك يدخل في نطاق تعايش الأديان، فمثلما نحن مسيحيون نعمل في بلاد مسلمة تُبنى لنا الكنائس لنؤدي شعائرنا، ففي بريطانيا هناك مساجد للمسلمين، هذا التعايش بين الأديان لا بد منه.
 
وكانت أنطوانيت المسيحية من بلجيكا سعيدة بوجود الكنائس أخيرا في قطر ومنطقة الخليج، تقول إننا "سنصلي من أجل أن يعم السلام في العالم"، الكنيسة ستكون سندا روحيا لنا وستوفر لنا ما ينقصنا روحيا، نحن بحاجة الى ذلك، وأساس الديانات هو التعايش والتسامح، وقالت إنطوانيت: "الكنائس أصبحت موجودة إلى جانب المساجد في الكثير من الدول من دون أن يؤدي ذلك الى أي تصادم، لأن المسلمين والمسيحيين إخوة في الإيمان".
 
نائب رئيس الوزراء القطري عبد الله بن حمد العطية الذي كان افتتح أول كنيسة في البلاد، يرى أن وجود الكنائس في المنطقة يمثل رسالة قوية وايجابية للعالم بأننا دول محبة، وتعكس مبادئ التسامح والمحبة التي يجب ان تسود بين الناس، داعيا الى ضرورة أن تسود الحكمة والتسامح بين الجميع لتكون سدا منيعا أمام الأصوات النشاز التي تريد التصادم بديلا للحوار.
 
وقال إن وجود الكنائس لدينا يعد بمنزلة رسالة ستخدم الإسلام بدرجة أكثر وخصوصا في الدول الغربية، لافتا الى وجود الكثير من المساجد والمراكز الاسلامية هناك، مما يتطلب ان يوازي ذلك بناء كنائس للجاليات المسيحية في الدول الاسلامية، وقال: هذا أحد سبل الحوار والتفاهم.