الاشاعات حول اعادة بناء وترميم معبد "ماجن ابراهام" اليهودي التاريخي في العاصمة اللبنانية ظلت تدور لعدة اعوام، لكن ما كان احد ليصدق انه امر سيتحقق حتى بدأت اعمال الترميم بالفعل.

الجالية اليهودية في لبنان، والتي كانت مزدهرة ونافذة اجتماعيا، عانت بقوة من الاقتتال الداخلي والمواجهات العنيفة بين لبنان واسرائيل، والتي كان آخرها حرب صيف عام 2006، حتى اختفت تقريبا.

ومنذ انشاء اسرائيل في عام 1948 ظلت حالة الحرب قائمة بين اسرائيل ولبنان، مما دفع معظم افراد الجالية الى مغادرة لبنان منذ اواخر الستينيات، اما من تبقى فقد حرص على البقاء بعيدا قدر الامكان عن الاضواء.

ولهذا ليس غريبا ان يكون الامر بمثابة المفاجأة عندما اعلن من تبقى من يهود لبنان، الذين يعتقد ان عددهم لا يزيد على مئة او ربما اقل، انهم نجحوا في جمع الاموال والتراخيص اللازمة لترميم كنيسهم، وقد بدأ العمل بالفعل على قدم وساق.

لكن من مر على هذا المعبد قبل اشهر قليلة لرأى انه كان عبارة عن بضعة انقاض لا اكثر، بل تحول الى بناء متهالك ومبولة، وجدران آيلة للسقوط مليئة بكتابات جرافيتي ضد اليهود.

اما الآن فقد عاد سقف الكنيس الى مكانه، وصار يشعر الناظر الى المعبد بطراوة مواد البناء، ويشم رائحة الاسمنت الطازجة على الجدران، بل وبدأ بعض العمال في صبغها، لكنه مع ذلك كان مشروعا محاطا بسرية وكتمان.

تبرعات سخية
ممثل الجالية اليهودية، الذي طلب عدم ذكر هويته، قال ان اليهود اللبنانيون غير خائفين لكنهم يحرصون على عدم الانكشاف امام ظروف قد تخرج عن ارادتهم، فلبنان يضم منظمات فلسطينية مسلحة ومئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين.

كما ان حزب الله، الذي يريد مسح اسرائيل من الخريطة، هو جزء من الحكومة اللبنانية، الا ان مندوب الجالية اليهودية الصغيرة واثق من استكمال اعمال ترميم الكنيس.

ويقول ان الجالية تمكنت، وبمساعدات وتبرعات خارجية، من جمع نحو 2,5 مليون دولار، بينما الحاجة للترميم لا تزيد على نصف هذا المبلغ.

كما اكد ان شركة سوليدير العقارية، التي تملكها اسرة الحريري، والتي يترأس ابنها، سعد الحريري، الحكومة الحالية، اسهمت بتبرع قدره 150 ألف دولار.

من سيصلي
ندى عبد الصمد مراسلة القسم العربي للبي بي سي في بيروت، والتي ألفت أخيرا كتابا عن الجالية اليهودية الصغيرة في لبنان، تقول ان ردود الفعل على عملية الترميم اتسمت بالايجابية حتى الآن.

وتضيف ندى متسائلة: "جميع الاحزاب السياسية، ومنها حزب الله، قالت انها ترحب بالترميم، لكن يبقى السؤال: ماذا بعد ذلك، هل سيكون كنيسا نشطا وفعالا".

شركة سوليتير وبلدية بيروت امتنعا عن اجراء مقابلة مع بي بي سي حول الموضوع.

جنازات نادرة
احد افراد الجالية اليهودية يفسر لماذا يحرص الجميع على الابتعاد عن مسألة ترميم المعبد، وتحدث عن وجود مقبرة يهودية قديمة في بيروت.

وقال انها مقبرة تضم اكثر من اربعة آلاف قبر، وانها ما زالت تستقبل جنازات لموتى يهود، على الرغم من ندرتها.

واضاف انه مع مرور الزمن تعرضت المقبرة الى النهب والسلب، وضاعت عشرات القبور، واختفت عنها شواهدها، والكثير منها غطتها الاوساخ.

هذا اليهودي اللبناني، الذي امتنع عن ذكر اسمه، يقول: "اكثر ما نعانيه هو نقص الوعي، نعاني من حقيقة ان الناس هنا لا يفرقون بين من هو اسرائيلي ومن هو يهودي، وهذان امران مختلفان".

رسميا ما زال اليهود يشكلون جزءا من 18 طائفة هي المكون الرئيسي للمجتمع اللبناني متعدد الطوائف.

ذكريات زوجين
الا ان بيروت الآن هي الآن مكان آخر مختلف عن ذاك الذي عاش فيه الدكتور ابراهام البرت ايليا وزوجته لوسي.

ايليا ولوسي كانا قد التقيا اول مرة في كنيس ماجن ابراهام واحبا بعضهما منذ نحو خمسين عاما، لكنهما الآن يعيشان في اسرائيل.

لوسي تستذكر تلك الايام بالقول: "لقد عشنا حياة سعيدة جدا في لبنان، ولم نشعر بالخطر على انفسنا ابدا، ولم تواجهنا اي مشاكل، لقد كنا نقيم الحفلات ونذهب في الرحلات، ونقضي اوقاتا طيبة وممتعة".

لا مستقبل
وتقول ان قرار الهجرة من لبنان لم يكن بسبب الخطر او الخوف، بل لشعورهما بان لا مستقبل لاطفالهما في لبنان بعد انشاء اسرائيل.

ليزا نهمود، اللبنانية اليهودية التي فضلت البقاء في بلدها، قالت انها ما زالت تعتقد ان لا مستقبل لليهود في لبنان.

وتقول انها، ومنذ زمن بعيد، اتلفت كل الوثائق التي تشير الى يهوديتها، مؤكدة على انها لبنانية اولا، وان كل اصدقائها من المسلمين والمسيحين.

وتضيف انه لا يوجد شيء لليهود في لبنان، لكنها تعتقد انه ربما كان لترميم الكنيس فوائد سياحية.

وعلى اي حال، وعلى الرغم من كل الظروف، نجحت الجالية اليهودية في ترميمه واعادة الكثير من رونقه السابق.

لكن، وحتى التوصل الى سلام مع اسرائيل، تخشى الجالية ان يظل هذا المعبد جزءا من الماضي، بدل ان يكون املا في المستقبل.

bbc