وصلتنا الرسالة التالية من صديق الموقع الآخ المحامي والقاص الاشوري مارتن كورش وننقلها لكم كما وصلتنا:

    علمنا أهلنا ونحن صغار أن  نصوم قبل العيد . فكان معظم الصائمين ينتظرون العيد على أحر من الجمر. كان الصوم بالنسبة لنا أيام إنتظار وكانت لنا أمهاتنا قدوات ومصبرات لنا على الإنتظار وهن يقولن لنا: العيد مقبل ومعه سيأتي (بابا نوئيل) بالكثير من الهدايا لكم. ونحن ذاهبون إلى المدرسة كان المعلم يعطينا دروسا في الصبر والمحبة وعدم التبذير. وحينما نذهب إلى الكنيسة كان القسيس يشرح لنا عن العيد ومغزاه وعن محبة الله الفائقة الحدود وعن يسوع المسيح \"له كل المجد\" لماذا ولد؟ ولماذا صلب؟ ولماذا قام وكسر شوكة الموت؟ ولماذا سيعود ثانية؟ كنا نعلم مَن ننتظر ولماذا ننتظره؟سلسلة مترابطة حلقاتها الأم والمعلم والقسيس، البيت والمدرسة والكنيسة. حملتها معي في مشوار حياتي كعراقي مسيحي آشوري حتى أيام الخدمة العسكرية الإجبارية التي فيها كنا نلقى السخرية من بعض المسلمين.مع ذلك صمدنا وصمنا وإنتظرنا العيد وها نحن ننتظر الرب.وشاء الزمان أن يكون الإنتظار في غير محطة الوطن.أن يحط بي القطار في دولة أوربية.

شوه أخوتي في الشرق سمعتها.هذا البلد الذي إحتضنني وعائلتي قبل أعياد الميلاد بعدة أشهر، بعد أن جردني الإحتلال من وطني. وجاء الصوم! لأقف على ملتقى طرقه ولأسأل نفسي:هل أقدر أن أنتظر العيد كما كنت أنتظره أيام الوطن لأعيش فرحة الأنتظار؟أيام كنت تلميذا وأمي النائمة على رجاء القيامة تضع (سندويجا)في حقيبتي المدرسية وأنا أسألها:ماما لماذا ليس فيها شريحة لحم؟. فتدخل الرب \"له كل المجد\" وأستلم زمام الأصرار في حياتي وجعلني منتظرا وأنا أتذكر العيد وأول يوم من أيامه أيام الوطن حيث كنا نذهب إلى الكنيسة لنأخذ القربان(وفيما هم يأكلونَ أخذَ يسوعُ الخبزَ وباركَ وكسرَ وأعطى التلاميذَ وقالَ خُذوا كُلوا.هذا هو جَسَدِي.وأخذَ الكأسَ وشَكرَ وأعطاهُمْ قائِلاً أشربُوا منها كُلكُمْ.لأَنَّ هذا هو دَمِي الذي للعهدِ الجديدِ الذي يُسْفَكُ مِنْ أجلِ كثيرينَ لِمغفِرَةِ الخطايا.)\"متى26: 26- 28 \" وقبل ذلك نستمع إلى وعظة قصيرة من القسيس وهو يقول ناصحا كل المتخاصمين (مُحتِلينَ ومُحتَلين)، بالتصالح والتسامح، فكان يأتيه الجواب همسا أو بالنظرات حيث يتبادلها المتخاصمون بنظراتهم وكأنهم يجيبون بها على سؤال ونصيحة راعي الكنيسة: أننا تصالحنا أيها القسيس فكن مطمئنا ونحن نأخذ القربان.

أعياد الميلاد وعيد رأس السنة الميلادية المجيدة يحتفل بها كل مسيحيي العالم،على حدٍ سواء الفقراء والأغنياء. ونحن في الشرق الذين قلبت الحروب حياتنا وأسرت جيوشه شخص الفرح فينا وحولته إلى ألم، بل حولت كل أم سعيدة إلى حزينة فتحولت دموع فرح الأم العراقية إلى دموع الحزن،حتى وقف طفلها البرئ على باب المطبخ ليُمطرها بوابل من الأسئلة:ماما هل عملت لنا (كليجة) العيد؟.ماما لماذا لا يزورنا بابا نوئيل؟ماما لماذا لم يشترِ لنا بابا ملابس العيد؟ماما ألم تري ملابسي التي لم تجدديها لي منذ منذ منذ، لقد قصر بنطالي وتمزق حذائي.ماما هل أنا إبن فقراء؟ لماذا نحن فقراء يا ماما؟وأبي يقول أن وطننا أغنى بلد في العالم.ألا يقولون السياسيون أن الوطن هو كالأب لمواطنيه؟لماذا لا يشتري لي كسوة العيد؟ماما لن أقدر أن أقول لكِ:عيدكِ مبارك ماما!

يا ماما سيأتي العيد ولن يأتي معه (بابانوئيل)!هل العراق خارج حدود تجواله؟هل نسانا (بابانوئيل)؟أنا حزين يا ماما.وبكت أمنا في العراق وجرت دموعها كجريان نهري الدجلة والفرات.وأطلقت صرختها مستنجدة بالرب يسوع المسيح\"له كل المجد\": (وإذا اُمراةٌ كنعانيةٌ خارجةٌ منْ تلكَ التخومِ صرختْ إليهِ قائلةً أرحمني يا سيدُ يا أبن داود.)\"متى15 :22 \". نعم يارب إستمع لصرخة أمنا العراقية وقد مزق الإحتلال قلبها.

يا أمي العزيزة وأنا صغير أتذكر كيف كان هذا الحزن بفعل فاعل يذوب ليسمح للفرح أن ينهض فينا .أتذكر قبل العيد ونحن على مقاعد الدراسة الأبتدائية أو الأعدادية كيف كان معلم اللغة الآشورية/ حصة درس الأنشاء،يشدُ إنتباهنا إلى أن العيد على الأبواب وبما أننا سنفرح علينا أن لا ننسى غيرنا من الفقراء فكان يعطينا فِكراً للتأمل لنستنبط منها مواضيع في حصة الأنشاء ونكتب ومن هذه المواضيع أتذكر عناوينها: (الأرملة في العيد.الأم الفقيرة في العيد. البنت اليتيمة في العيد. الولد المتسول في العيد. المرأة العجوز في العيد. الطفل اليتيم في العيد) هذه المواضيع كانت تحفز فينا روح المودة والمساعدة ومشاركة الزملاء الفقراء من بيننا في مصروف العيد وعدم التمادي في الصرف غير المعقول لأن معظمنا كنا من أبناء الطبقة الوسطى . اليوم يا إبني أيها التلميذ العراقي أضف إلى هذه المواضيع فِكرْ تأمل أخرى (الأم العراقية في العيد.الأم المسيحية العراقية في أعياد الميلاد.طفلة يتيمة من مدينة نينوى). أسأل نفسي قبل أن أسأل قرائنا الأعزاء، أين أصبحت تلك الأيام؟ هل طوتها صفحات الماضي؟ أم شطبناها من مفكرتنا؟ أم أن البعض قد راق له ثقب ذاكرة الوطن لتخر منه كل السجلات والأرقام والتواريخ والمستندات والشواهد وكل ألبومات الصور الجميلة و..و.. وكأنها اليوم لم تكن بل وكأننا لم نولد في تلك الأيام ،وكأننا لسنا أبناء أولئك الأباء ،ولا تلاميذ أولئك المعلمين، ولا رعية ذلك القسيس، حتى أصبحنا ما نحن عليه اليوم. هل ذهبت عنا تلك الأيام وغابت عن سجلات تأريخنا؟لا هذا وذاك بل هو الإحتلال الذي لم يرق قلبه على أطفالنا، وأمامه تسيل دموع كل أم عراقية.الرب يسامح.والرب وحده القادر على أن يعطينا مقدرة التسامح.لأن وحده العارف بعمق جروحنا،وهو الذي منحنا الصبر ونحن نرى بأم عيوننا ما الذي يحل بوطننا. وطن فيه ظلموا الأم وقتلوا المعلم وذبحوا القسيس.قدوة كانوا لنا هؤلاء في مدرسة للحياة. أين صارت تلك الأيام الجميلة من سفر تأريخ العراق؟أين أصبحت أمنا العراقية الحنونة؟إلى ماذا حولوا مدرستي وإلى أين ذهبوا بمعلم حصة الإنشاء في درس للغة الأم؟هل حقاً هذه هي كنيستي التي تحولت إلى ركام. أين أصبحت؟أعنّا يا رب لكي نقدر أن نسامح.ذكريات ودروس وعِبرْ كأنها أنزلقت؟ كما أنزلق الأشوريون من ذاكرة العراق لينقلبوا بين ليلة وضحاها إلى جالية؟!وهم سكانها الأصليين،بناة حضارة بين النهرين!! لماذا صرنا نسمح لذاكرتنا أن تنزلق منها كل الدروس والعبر والذكريات الجميلة وحتى أفراح العيد؟دعونا نشكر الرب على كل حال ونقف هنيهة لنتذكر تلك الأيام التي فيها قبلة من الأم العراقية الحنونة،وحصة لدرس الأنشاء لذلك المعلم، ووعظة لذلك القسيس ؟ الأم الحنونة تطبع قبلتها على خدينا ونحن تلاميذ ذاهبون إلى المدرسة. والمعلم يعطي فِكر تأمل في كيفية إستنباط الفرح من الحزن، والجود من العوز. والقسيس يوعظ عن المحبة والتسامح.اذا دعوا اليوم كل واحد فينا ليقف هنيهة ويقدم التهنئة بالعيد إلى العراق. أيامك سعيدة يا وطني العزيز..عيدك مبارك يا وطن. جفف دموعك بمنديل من مناديل (بابا نوئيل) فأنت تحتاج منه إلى منديل وأنت تنتظره ليقدم الهدايا إلى أطفالك المشردين،المهجرين. يا عراق أطفالك حرموا من الهدايا منذ سنين.دع أطفالك يعرفوا كل شئ عن أعياد الميلاد ومغزاها. قل لهم يا عراق:أن السماء تنظر دموعهم في العيد.تنظر ثيابهم العتيقة.وقل لهم الرب آتٍ وسيلبسهم أحلى الملابس،أثواب البر.

تعال يا رب وخلصنا وأنظر أطفالنا.أنهم جياع غابت عن وجوههم الجميلة كل فرحة.تعال يارب أناشدك كأب أذكر أيام طفولتي كيف كانت أمي تشتري لي أحلى كسوة لأرتديها في أعياد ميلادك.أنا اليوم يا رب لا أقدر أن أشتري لإبني ولو لعبة رخيصة. فوق هذا لا يمر بنا (بابا نوئيل) ليقدم لأطفالنا هدية.يا رب أنا رب عائلة مسيحية شردونا من مدينتنا نينوى الآشورية؛(أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم وبهائمهم كثيرة)\"يونان4: 11\"؛ففقدنا كل شئ لنبقى بك نحن وأطفالنا متمسكين ومنتظرين.

دعنا يا عراق اليوم ننسى كل آلامنا وتنسى أنت ولو فترة أيام أعياد الميلاد ظلم الإحتلال،حتى نقدر أن نفرح سوية ونحن نستنبط من الماضي الذي جمع في صفحات أيامه تلك الأم الحنونة وذلك المعلم وذلك القسيس.فإنسى يا عراق كل آلآمك وإن كنا غير قادرين على تضميد جراحك لكننا ندعوك إلى الفرح سوية ولو في فترة أيام أعياد الميلاد من كل سنة. لقد تعلمنا فيك من أمنا ومن ذاك المعلم ومن ذاك القسيس.أن نكون على الدوام سوية وكم بالحري في أيام أعياد الميلاد.كانوا معلمين لنا وأعلم منهم جميعا هو المعلم الأعظم يسوع المسيح \"له كل المجد\".ها نحن اليوم أباء وأمهات نعلم أطفالنا حصصا من تلك الدروس،في المحبة والمودة وحب الوطن وحب الأنسان للأنسان، حتى نقدر أن نسامح كل الذين دمروا بلدنا وشتتونا على بقاع الأرض بين مشردين بإسم لاجئين.. دعوا أطفالنا يعرفون العيد عن كثب.. دعونا نشرح لهم عن(بابا نوئيل) ونطلب منهم أن ينتظروه فلا بد وهو على الطريق قادم في ليلة من ليالي أعياد الميلاد لسنة 2008 وهو يحمل لهم الهدايا...دعونا  نحتضن بعضنا البعض لأن العيد على الأبواب...ودع القسيس يشرح لأطفالنا عن الطفل يسوع المسيح\"له كل المجد\"،كيف أحب حتى صالبيه وسامحهم،حتى يتعلم أطفالنا كيف يسامحون المحتِل؟..
وهنا يثأر سؤال: هل ينبري غني أو ثري ويضحي بنسبة من أرباحه لتكون هدايا إلى كل الأطفال؟لأن العيد واقف على الباب ويطرق. لطفا الجواب؟

المحامي والقاص الآشوري
مارتن كورش