كلما طرح السؤال بشأن مستقبل المسيحيين في العالم العربي، جاء الجواب متشائما، وفي احسن الاحوال بقي تساؤلا فيه ملامح تخوف بخصوص المصير مع رجاء مسيحي بالا تتحقق تلك المخاوف.

فها هو صوت مشرقي يقرع ناقوس الخطر. ومع انه من الاصوات المسيحية المسؤولة الاقل احباطا، اذ يدعو باستمرار الى نهضة "كنيسة عربية" متجذرة في محيطها، فهو، اي غبطة البطريرك الانطاكي الارثوذكسي اغناطيوس الرابع، يقول، مع ذلك: "في ظل الاوضاع الحاضرة يتحكم الخوف بكنائسنا. يدفعها نحو الارتداد الى هوية، نرجسية احيانا، والى انغلاق قد يؤدي الى استعجال ما نخشاه: اي انقراضها بفعل الاضمحلال او الهجرة او الابادة. كل كنيسة تخاف الكنائس الاخرى وتخشى ان تلحق بها في عملية تذويب. كلها تخاف الاكثرية الاسلامية (...) يترتب علينا، اذا ما اردنا ان ننفتح نحو المستقبل، ان نكسر حلقة الخوف".

وها هو المستشرق الفرنسي، المتخصص بتاريخ المسيحيين الشرقيين، بيار روندو، يشبه مسيحية الشرق الأوسط بـ"اطلنطا الغارقة"، ويستعير المستشرق الروسي اليكسي جورافسكي تشبيه بيار روندو موافقاً عليه. ونقرأ في آخر الكتب "الموسوعية" التي صدرت في فرنسا عن موضوع مسيحيي الشرق، ما جاء على لسان كاتبه جان بيار فالونيه ما يلي:  "هل يأخذ الاستئصال النهائي لمسيحيي الشرق شكل التراجيديا؟ سوابق عديدة فظة تمنعنا من استثناء مثل هذا الاحتمال، انما، على الأرجح، وبالرغم من كل شيء، سيزولون بدون ضجة، من جراء نزف سيكون، في آن معاً، خفياً ولكن دون رحمة". بصرف النظر عن صحة، او عدم صحة، هذه التوقعات المأسوية للحضور المسيحي في المشرق العربي، فلا شك ان عدد المسيحيين في الشرق هو من تراجع الى تراجع أكبر. هناك العديد من الاحصاءات في هذا الشأن. معظمها يؤكد الاستنزاف الديموغرافي للمسيحيين العرب، لن نغامر في تقديم اي من تلك الاحصاءات لعدم ثقتنا بعلميتها وموضوعيتها، انما، وبشكل عام، هناك ما يؤكد، وبشكل لا مجال للشك فيه، ان الاستنزاف الديموغرافي يستفحل بشكل كبير اليوم في العراق، وفي فلسطين، وبالأخص، في القدس حتى تكاد القدس تصبح امكنة مقدسة بدون مَقدِسيين. أما في لبنان، فاذا لم تنحسر موجة هجرة المسيحيين، فانه من الصعب ان يحتفظ لبنان بالديموقراطية التوافقية.

أما أسباب التراجع الديموغرافي فهي عديدة وأهمها: تحديد النسل الممارَس لدى العائلات المسيحية اكثر مما هو ممارس لدى المسلمين. الهجرة خارج دول الشرق الأوسط، وهو السبب الأبرز لاستنزاف المسيحيين ديموغرافياً. اما الأسباب التي تدفع ليس فقط المسيحيين بل ايضا المسلمين العرب الى الهجرة فهي عديدة، اهمها، ولا شك، العامل الاقتصادي. وهناك ايضاً اسباب تتعلق باللاديموقراطية في بعض الأنظمة العربية، وبالتوترات السياسية والاجتماعية، اذا لم نقل الحروب الأهلية، وغير ذلك.

الا ان هناك أسباباً تتعلق بهجرة المسيحيين العرب بشكل خاص. ونذكر هنا بعضاً منها: انكفاء دور المسيحيين، اقتصادياً، كوسطاء ما بين الغرب والشرق، انكفاء دورهم الثقافي. فبعد ان اعتبروا، واعتبروا أنفسهم، حاملي الحداثة والتقدم، وممثلي اوروبا في المشرق، وتماهوا بالغرب، اصيبوا بالاحباط لأن النخب الثقافية لم تعد حصرياً في اوساطهم، ولأن الحداثة الغربية فقدت بريقها ولم تف بوعودها. ونتيجة لما سبق: فقدان اهميتهم السياسية في نظر الغرب. فجسر العبور لم يعد ثقافياً بل اصبح نفطياً. وأصبح العبور مباشراً لا يحتاج الى جسر. تغليب الهوية الدينية الطائفية، لدى مجموعات من المسيحيين، على الهوية القومية الحضارية. امام هذا الواقع الذي يجب رؤيته في جميع ابعاده، وبمنهجية غير تبسيطية، بل جدلية، كيف يتم التعامل مع هذه الظاهرة؟

التعامل يأخذ اشكالاً عدة يغلب عليها طابع التطرف، ومنها: التهويل والتخويف، وبالتالي تضخيم الأرقام والتركيز على نتائجها: كالاستنزاف، والموت البطيء، والاضمحلال... أو بالمقابل، التقليل من أهمية هذه الظاهرة، والاستخفاف بنتائجها، حتى تجاهلها اذا امكن، وضع اللوم، على المسيحيين أنفسهم، وبالتالي تأثيمهم، والتقليل من أهمية العدد والموقع السياسي والاقتصادي، وحضهم على حزم امرهم، والتشبث بأوطانهم بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الاستشهاد... وفي المقابل، وضع اللوم، كل اللوم، على الاخرين. والآخرون هم، هنا، وبالطبع، المسلمون عامة، والأصوليون منهم خاصة... الدعوة الى رص الصفوف، والى التنسيق ما بين الطوائف، ويذهب البعض الى حض المؤسسات المسيحية (الدينية والمدنية) على دعم المسيحيين اقتصادياً ليبقوا في اوطانهم، وبعضهم الاخر يتوجه الى المغتربين لربطهم بأبناء الوطن الأم (وهذا يحدث ليس فقط عند المسيحيين بل ايضاً عند طوائف أخرى).

من الضروري التصدي لمسألة الهجرة العربية، كما انه من الضروري ايضا عدم تجاهل الهجرة المسيحية أيا كان حجم واقعها وحقيقة اسبابها. لذلك، وتحصيناً لديمومة العيش المشترك، انقل هنا بعض ما كتبه الاستاذ محمد حسنين هيكل بهذا الشأن، إذ قال:   "أشعر ان المشهد العربي كله سوف يختلف انسانياً وحضارياً، وسوف يصبح على وجه التأكيد اكثر فقراً واقل ثراء لو ان ما يجري الان من هجرة مسيحيي الشرق ترك امره للتجاهل او التغافل او للمخاوف حتى وان لم يكن لها أساس، اي خسارة لو احس مسيحيو الشرق ـ بحق او بغير حق ـ انه لا مستقبل لهم او لأولادهم فيه ثم بقي الاسلام وحيداً في المشرق لا يؤنس وحدته غير وجود اليهودية الصهيونية بالتحديد أمامه في اسرائيل".

جيروم شاهين

المستقبل - الثلاثاء 26 آب 2008 - العدد 3058 -