بمناسبة مرور مائتي عام على قدوم د. روبرت موريسون، أول مبشر بروتستانتي في الصين، أجرت ((الصين اليوم)) مقابلة مع القس مي كانغ جيون، نائب الأمين العام للجنة البروتستانتية الوطنية لحركة الاستقلال الذاتي.

((الصين اليوم)): كيف ترون دخول ا البروتستانتية إلى الصين؟

القس: دخلت البروتستانتية الصين مع الاستعمار الغربي. رغم أن المبشرين دخلوا الصين ببعض ثمار الثقافة الغربية المتقدمة موضوعيا مثل إقامة المستشفيات والمدارس في ثلاثينات القرن العشرين، فإن الصينيين اعتبروهم مشاركين للاستعمار الغربي، مما أدى إلى عدم فهم المجتمع الصيني الحديث للمسيحية، فسمى الصينيون المسيحية "الدين الأجنبي". وفي الفترة ما بين عامي 1922 و1927، شهدت الصين حركة "لا للمسيحية" التي أيدها المثقفون الصينيون، وكانت "جرائم الإمبريالية العدوانية على الصين تحت ستار المسيحية" هي بؤرة اهتمامهم.

ويعتقد المسيحيون الصينيون أن المسيح تجسيد للرب، ذو صفة إلهية وإنسانية معا، وأنه رسول الله ويقف في صف المظلومين.

كان من الطبيعي أن يقبل بعض الصينيين ((الكتاب المقدس)) بمفهومهم بعد دخوله الصين. لأن الصينيين متأثرون بالكنفوشية والطاوية والبوذية. لقد حاول المبشرون الغربيون القيام بالإصلاح، حيث ترجم روبرت موريسون ((الكتاب المقدس)) إلى الصينية، بل لبس كثير من المبشرين المسيحيين الأزياء الصينية التقليدية من أجل الدمج بين المسيحية والثقافة الصينية، لكنهم لم ينجحوا، لأن المسيحية في العصر الحديث تصادمت مع الثقافة الصينية من حيث العقيدة وتطورها الموضوعي، فصعب عليها أن تندمج مع الثقافة الصينية.

((الصين اليوم)): هل ظهرت فكرة إقامة كنيسة صينية في ذلك الوقت؟

القس: في الفترة التي كانت المسيحية تسمى في الصين بالدين الأجنبي حاول الصينيون خلع قبعة "الدين الأجنبي". وقد دعا القسيس يوي قو تشن (1852-1932) المسيحيين الصينيين أن يعملوا على تحقيق الاستقلال الذاتي وإقامة وإدارة الكنيسة ذاتيا والتبشير الذاتي وعدم الخضوع لسيطرة الكنيسة الغربية. وتؤكد الحركة التي نادى بها وتسمى بحركة الاستقلال الذاتي، على أن تتحرر الكنيسة الصينية من سيطرة الكنيسة الغربية في ظل وضع الصين كدولة مستعمرة. وتسمى المبادئ الثلاثة لها "الذاتيات الثلاث". وخلال "حركة التأهيل" Indigenization Movemnt في أربعينيات القرن الماضي، تمنى كثير من علماء اللاهوت إقامة كنيسة صينية مستقلة تتخلص من سيطرة الكنيسة الغربية.

((الصين اليوم)): ماذا كان تأثير قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949 على تطور المسيحية بالصين؟

القس: كان عام 1949 خطا فاصلا للمسيحية الصينية. حيث نهضت الصين من الضعف ومن مجتمع البؤس والشقاء وأصبحت دولة مستقلة. وأصبحت العقيدة الدينية جزءا من حقوق الشعب، في هذه العملية ظهرت شخصيتان هامتان هما وو ياو تسونغ (1893-1979) والأسقف دينغ قوانغ شيون.

في مواجهة وضع تعرض المسيحية للإهانة في الصين وأوضاع المسيحيين، طرح السيد وو ياو تسونغ أسلوب تطور المسيحية الصينية- إدارة الصينيين الكنسية ذاتيا، التبشير ذاتيا الذي يربط معلومات ((الكتاب المقدس)) بتطور العصر، ورعاية المسيحيين الصينيين لكنيستهم بأنفسهم وعدم الاعتماد على الكنائس الأجنبية.

بمبادئ الذاتيات الثلاث وجدت المسيحية فرصة لتتطور في المجتمع الصيني. الصين ليست دولة دينية والحزب الحاكم بها حزب لاديني. من أجل تحقيق إدارة الكنيسة ذاتيا، لابد من الاهتمام بقدرة الكنيسة والظروف الواقعية لحكم حزب لاديني. ويعني التبشير ذاتيا الربط الوثيق بين المسيحية والثقافة الصينية.

تحولت فكرة السيد وو بسرعة إلى حركة الذاتيات الثلاث الوطنية الضخمة القوية، وقع عشرات من زعماء المسيحية و44 ألف مسيحي على "بيان الذاتيات الثلاث". يعتبر المسيحيون الصينيون هذه الحملة ميلادا جديدا للمسيحية الصينية، فشهدت نوعية المسيحيين تغيرا كبيرا بتوطين المسيحية. بالطبع، البعض لم يتكيف مع هذا التغير معتقدا أن طرد المبشرين الأجانب من الصين وتوطين علوم اللاهوت هو انحراف عن المسيحية. ولم يفهموا أن علم التبشير يطلب أن يتغير أسلوب التبشير مع تغيرات البيئة الاجتماعية.

حققت حركة الذاتيات الثلاث الوطنية تطورا سريعا للكنيسة الصينية، فأقيمت عام 1952 لجنة حركة الذاتيات الثلاث الوطنية للمسيحية- منظمة دينية وطنية للمسيحيين، أنجزت اللجنة مهمة عظيمة، ألا وهي أن المسيحي الصيني واحد من أبناء الشعب الصيني، وهو مسيحي ممتاز ومواطن ممتاز أيضا (كان ثمة رأي قبل تأسيس الصين الجديدة عام 1949 يقول كلما ازداد مسيحي واحد ينقص واحد من الصينيين). في تلك العملية عكفت الكنيسة على إظهار المسيحية، من خلال أعمال معتنقيها، أمام العالم والصينيين بأنها تختلف عن ماضيها، لأنها تقف اليوم مع أبناء الشعب، ويقف المسيح مع المحتاجين إلى العناية والمساعدة.

((الصين اليوم)): هل توقف كل ذلك أثناء الثورة الثقافية (1966-1976)؟

القس: نعم، انقطعت المسيحية بالصين أثناء الثورة الثقافية، يعتبر هذا الانقطاع مأساة عصرية للصين. كان للأسقف دينغ قوانغ شيون وصف رائع لذلك حيث قال: عندما نستعرض الماضي علينا أن نشكر الله، لأنه جعلنا نعاني مع الشعب الصيني، ونعايش الثورة الثقافية معا. الأمر الذي أصبح رمزا ودليلا على أننا أصبحنا جزءا من أبناء الشعب. تعني معاناتنا للبؤس والشقاء مع أبناء الشعب، أننا لم نعد نعتمد على حماية قوة أجنبية، وأصبحت المسيحية بالصين صينية، وكسبت حق استماع الناس إليها.

((الصين اليوم)): ما هي التطورات الجديدة للكنيسة الصينية بعد الإصلاح والانفتاح؟

القس: بعد أن فتحت الصين أبوابها في ثمانينات القرن الماضي، بدأ الناس يتساءلون عن قدرة لجنة حركة الذاتيات الثلاث الوطنية للمسيحية على تحمل مسؤولية جعل الصينيين يفهمون المسيحية بعد الإصلاح والانفتاح. أقمنا الجمعية المسيحية الصينية عام 1982 لإبراز دور الكنيسة.

((الصين اليوم)): ما هي خصائص تطور الكنيسة بالصين في هذه الفترة؟

القس: قام الأسقف دينغ قوانغ شيون بتفسير مبادئ الذاتيات الثلاث. حول التبشير قال في كتابه ((كيف ينظر المسيحي الصيني إلى "الكتاب المقدس")): يجب نشر الأخبار الطيبة حول حب الله للناس. يوجد حاليا في الصين اليوم مسيحيون وغير مسيحيين، لكن حب الله ينتشر في كل المجتمع. حلت فكرته مشكلة تمتع المسيحي بحقوق ومجد الله في دولة يحكمها الحزب الشيوعي.

حول إدارة الكنيسة، يرى الأسقف دينغ قوانغ شيون أن الكنيسة عليها أن تقام في مكان يتناسب مع المجتمع والعصر. الكنيسة لا تستقل عن المجتمع، بل تندمج معه. هي ذات علاقة وثيقة بأبناء الشعب، وهذه العلاقة علاقة حق وخير وجمال. بهذه النظرية حول الأسقف دينغ قوانغ شيون مبادئ الذاتيات الثلاث إلى "الجيدات الثلاثة" أي إدارة الكنيسة جيدا ورعاية الكنيسة جيدا والتبشير جيدا.

((الصين اليوم)): بعد عام 1990طرح الأسقف دينغ قوانغ شيون فكرة "بناء أفكار اللاهوت" هل هناك بعض الإنجازات البارزة فكريا؟

القس: من أمثلة ذلك فهم ((الكتاب المقدس)). طرح الأسقف دينغ أولا فكرة ليتكلم ((الكتاب المقدس)) في عصرنا، ثم ليوحدنا ((الكتاب المقدس)) عام 2004. تشمل الفكرتان أفكارا ونظريات لاهوتية عميقة.

يرى الأسقف دينغ وجوب وضع ((الكتاب المقدس)) في مجال رؤية اجتماعي أوسع لنفهمه. في المجتمع كثيرون ليسوا مسيحيين، فلا يمكننا أن نقول إنهم سيدخلون جهنم. قال الأسقف دينغ إن الجندي الشاب ليه فنغ (شيوعي صيني راحل اشتهر بمساعدة الآخرين) رجل ممتاز، لم يكن مسيحيا، هل يمكنك أن تقول بقسوة إنه سيدخل جهنم؟ هذه النظرية موجودة في ((الكتاب المقدس))، لكن عندما تنظر إلى شخص لاديني، عليك أن تجعله يشعر بأن الذي لا يعتنق الدين مؤقتا، يتمتع بحب الله أيضا.

((الصين اليوم)): ما هي آخر تطورات نشاطات الكنيسة الصينية؟

القس: كان عدد البروتستانت 700 ألف عام 1949، يزداد عددهم بسرعة 1-2 مليون سنويا بعد ثمانينات القرن الماضي ووصل اليوم إلى 17 مليونا. كان معظمهم من النساء والمسنين، اليوم انضم إليها كثير من المثقفين الشبان. يوجد بالصين 18 معهدا لعلوم اللاهوت ومدرسة للكتاب المقدس، يدرس فيها أكثر من 1800 طالب، ويذهب 200-300 طالب لاهوتي إلى الكنائس بأنحاء الصين سنويا، ومنذ ثمانينات القرن الماضي بلغ عدد طلاب اللاهوت الذين درسوا الماجستير والدكتوراه في الخارج أكثر من 80 طالبا. يوجد بالصين نحو 2000 قسيس، منهم 500 امرأة. أعمال النشر للكنيسة مزدهرة، فبعد أن تعاونت مع شركة UBC لطباعة ((الكتاب المقدس)) في الثمانينات، تم طباعة 40 مليون نسخة منه، لسد حاجة المسيحيين الصينيين وصدر بضعها.

تقوم الكنيسة بالعديد من أعمال الخدمات الاجتماعية، ويقدم صندوق آنده (أول منظمة غير حكومية أقامها المسيحيون الصينيون) عشرات الملايين من اليوانات لمساعدة الفقراء والتعليم. في عام 2004 تبرعنا بمبلغ أكثر من 800 ألف دولار هونغ كونغ، هو كل دخلنا من معرض ((الكتاب المقدس)) الذي أقيم في هونغ كونغ، لجامعة اللغة الصينية بهونغ كونغ لتقوم بالبحوث حول الإيدز.

((الصين اليوم)): ما هي المشاكل التي تواجه الكنيسة؟

القس: أولا، يتعين تنظيم منهج التعليم اللاهوتي بالصين. إلى جانب الدروس اللاهوتية الأساسية، يجب أن يشمل علم النفس وعلم الاجتماع الديني الخ. لا يوجد في معهد اللاهوت مقرر الموسيقى اللاهوتية، يجب أن يكون هذا المقرر موجودا.

المشكلة الثانية هي شيخوخة القساوسة. يجب جعل القساوسة الشبان يتحملون مزيدا من المسؤوليات ليلعبوا دورا رئيسيا في بناء الكنائس القاعدية.

المشكلة الثالثة هي عدم وجود مؤلفات حول تاريخ المسيحية الصينية مكتوبة حسب النظرية اللاهوتية. يجب أن يكون هناك كتاب يعكس تاريخ تطور الكنيسة الصينية، ونحن نخطط لهذا العمل حاليا.

((الصين اليوم)): ماذا عن نشاط الكنيسة الصينية في التبادل الدولي؟

القس: زار الصين المبشر الأمريكي المشهور بيلي غراهام عام 1988 تلبية لدعوة من الجمعية البروتسستاتية الصينية، استمع إلى موعظته آلاف الصينيين في كنيسة موان بمدينة شانغهاي. كتبت زوجته في يومياتها: إننا لم نشعر قط بذرة من أثر تقييد الحزب الشيوعي الصيني للتطور الديني. حيث كان المستمعون يتمتعون بنظراتهم الصادقة بمجيء بشارة جديدة. وقال بيلي غراهام متأثرا: إن الله يبارك الصين.

وقد زار الصين أساقفة كانتربري Canterbury في الدورات الأخيرة، واستقبلهم قادة الصين، الأمر الذي أصبح مشهدا جديدا على مسرح التبادل الدولي.

أثار معرض ((الكتاب المقدس)) الذي أقامته الجمعية البروتسستاتية الصينية في هونغ كونغ والولايات المتحدة هزات في أوساط المسيحية المحلية والأجنبية، وقد اهتم به الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر والسيدة هيلاري كلينتون، وبعثت شخصيات مسيحية هامة مثل بيلي غراهام، برقيات تهنئة له، وحضر كارتر حفل افتتاح المعرض. هذا الأمر جعلنا نشعر بالعلاقة الوثيقة بين تطور المسيحية الصينية وبناء سيادة الدولة وبنائها السياسي. يمكن القول إننا في العصر الذهبي لتطور المسيحية في الصين.

((الصين اليوم)): ماذا عن أحوال الرهبان؟

القس: يمكن للحاصل على الشهادة الثانوية أن يشترك في امتحان القبول بمعهد اللاهوت، بعد التخرج، يكون مازال شابا صغيرا عليه أن يواجه كثيرا من المسيحيين أكبر منه سنا، فيكون تحمل المسؤولية بأهليته وتجاربه الاجتماعية امتحانا كبيرا له. حاليا عدد المسيحيين في الأرياف والمناطق الجبلية النائية أكبر من عدد المسيحيين في المدن، بسبب قيود الظروف الجغرافية والتاريخية المحلية، ضمان حياة الرهبان هناك ليس قويا، يقلقون على حياتهم المادية، الأمر الذي يؤثر في تبشيرهم.

العلاقة بين الراهب والكنيسة علاقة تعاقد في الدول الأجنبية، الراهب عندنا يمكنه أن يعمل ولا يتقاعد. السبب هو قلة عدد الرهبان بالصين، فتطلب مناطق كثيرة منهم أن يستمروا، إضافة إلى أن الرهبان يواجهون مشكلة ضمان الحياة بعد تقاعدهم. نخطط لإقامة نظام يمكنهم من التقاعد في سن 60 أو70 سنة.

يتعين أن تقيم الكنيسة نظاما يضمن ظروف الحياة الضرورية لخريجي معهد اللاهوت الذين يعملون في المناطق الجبلية النائية؛ وعلينا ألا نطلب من الرهبان المسنين أن يواصلوا أعمالهم، بل عليهم أن يعملوا بقدر استطاعتهم، وذلك يتطلب منا أن نقيم نظاما خاصا للرهبان.

((الصين اليوم)): ما هو الفرق بين الراهب الصيني والراهب الأجنبي؟

القس: أكبر مشكلة للراهب الصيني هي اللغة. معظم الرهبان الأجانب يعرفون الإنجليزية، لكن الرهبان الصينيين ضعفاء نسبيا في هذا المجال.

إلى جانب ذلك توجد فروق في الخلفية التعليمية. كثير من الرهبان الصينيين لم يستفيدوا من التعليم المسيحي في طفولتهم، بل دخلوا معهد اللاهوت بعد البلوغ، بل دخله بعضهم بعد التخرج في الجامعة. وبعضهم يكون المسيحي الوحيد في أسرته. أما في البلدان الأجنبية كل الرهبان تقريبا ينتمون إلى أسر مسيحية.

وأكبر فرق هو اختلاف البيئة الاجتماعية. أثناء التبشير، يهتم الراهب الصيني كثيرا بفهمه للثقافة الصينية. ونظرا لأن المثقف الصيني في العصر الحديث متأثر كثيرا بالفلسفة والثقافة الغربية في فهمه للمسيحية ويعتقد أن الصين ليس بها علوم لاهوت خاصة بها، على الراهب الصيني أثناء التبشير أن يشرح هذه النظرية للمسيحيين، الأمر الذي يختلف عن البلدان الأجنبية، لأن لكل راهب أجنبي خلفية علوم اللاهوت لكنيسته. مما يجعل مسؤولية الراهب الصيني مهمة.

في البلدان الأجنبية يبلغ عدد تابعي الكنيسة الواحدة 100-200 مسيحي دائما، لكن راعي الكنيسة الصيني يواجه 1000-2000 مسيحي. تأثير تبشيره أكبر من الكنائس الأجنبية. يواجه آلاف المسيحيين في يوم واحد أحيانا.