«تهمتي أنني كلداني. لم يُترك لي ولعائلتي أي خيار سوى ترك بيتنا ورزقنا في العراق. استدنت 5 آلاف دولار (اميركي) لنلوذ الى لبنان... ولا أعرف كيف سأسدّد المبلغ، لكنني سأسدّده».

بهذه الكلمات يبدأ الشاب لؤي (24 سنة) حديثه لدى استقباله «الشرق الاوسط» في منزله المتواضع في سد البوشرية شرق بيروت. هناك تمكث عشرات العائلات الكلدانية التي توافدت من الموصل الى بيروت، بحثا عن الأمان اولا، وأملا في الحصول على تأشيرة نحو احد البلدان الغربية ثانيا. فرغم ان «لبنان بلدنا الثاني، وأهله طيّبون»، يتطلّعون نحو الغرب حيث فرص العمل متوافرة.

2150 عائلة كلدانية هجّرت من الموصل خلال اسبوع واحد أي بين 11 اكتوبر (تشرين الاول) الجاري و17 منه، واتجهت شمالا، قبل ان تتفرّق وتتوزّع بين سورية والاردن ولبنان، كما افادت مسؤولة عن مركز «كاريتاس للاجئين العراقيين الكلدان» المساعدة الاجتماعية اللبنانية رانيا شهاب. منهكون، يبحثون عن الأمان في أشباه بيوت، يكادون لا يصدقون انهم نجوا من الارهابيين الذين يطاردونهم كالفئران.

تهمتهم انهم مسيحيون، وأصولهم العراقية التي ترقى الى آلاف القرون لم تعد كفيلة بضمان حقوقهم بالمواطنة. فهم ليسوا مواطني درجة ثانية، بل مجرّد «خونة ودخلاء». يطالبون بـ«تطبيق المادة 50 من الدستور التي تكفل حقوق الاقليات». ولا يجرأون على التفكير في العودة: «فالعراق لن ينعم بالاستقرار قبل 20 عاما على الاقلّ. فإن هدأت الاحوال، لا احد يعرف متى وأين ستنفجر، في ظل انتشار موجات السيارات المفخخة والخطف والذبح»، كما قال عدد منهم.

ماذا عن وضع رجال الأمن؟ نسألهم مستفسرين: «ينتشرون نهارا والارهابيون ليلا»، يرد احدهم، قبل ان يقاطعه آخر: «يقفون كالدمى، يكتفون بمشاهدتنا نذبح من دون ان يحرّكوا ساكناً». اتصالات وانذارات خطية حملها الوافدون الجدد، كمن يحتفظ بحكم الاعدام الصادر في حقه بعدما نجا من التنفيذ. تزوّدنا والدة لؤي بنسخة من نموذج من الانذارات التي جاء فيها بعد جملة من التهديدات: «(...) وقد هيأ لكم المجاهدون في سبيل الله سيفا قاطعا لبتر رؤوس امثالكم وقد اعذر من انذر». توصينا بإخفاء اسمي ولديها بعدما قتل الارهابيون ولديها الآخرين قبل عامين وتحديدا في ابريل (نيسان) 2006: «فلا احد يعلم الى اين يمكن ان تصل أيديهم».

هي التي آثرت عدم الكشف عن اسمها، خوفا وحرصا، كغالبية من تحدثوا الينا، لزمت الصمت باستثناء بضع كلمات. تركت لؤي يتحدّث فهو قادر على تمالك نفسه. بلغت العائلة الحدود اللبنانية في 6 أغسطس (آب) الفائت، هم سبعة أشخاص، فقدوا والدهم قبل 3 اعوام قبل ان يقتل اثنان من أشقائهم، اضافة الى خطف زوج شقيقتهم الوحيدة ولها طفل لم يتجاوز الثلاثة اعوام، في 25 أغسطس (آب) 2007... المآسي لم ترحم هذه العائلة كسائر العائلات الكلدانية في الموصل. يضيف لؤي: «تلقينا الكثير من اتصالات التهديد واوراق الانذار، الى ان بات الوضع لا يحتمل. لم يكن لدينا مال لنهرب، فاضطررنا لاستدانة المبلغ والا كان الذبح مصيرنا. المسيحيون باتوا مضطهدين في العراق، والارهابيون يأمروننا بالمغادرة. الواقع انني اضطررت للعمل مع الاميركيين، حمّال مياه، والا لكانت عائلتي تتضوّر جوعا. فلم يعد من معيل لنا». سيدة كلدانية متزوّجة من آشوري، وصلت مع والدتها المسنّة وطفلتها الى لبنان في 17 أكتوبر (تشرين الاول) الجاري، بعدما «اقتحم ملثمون منزلنا في 5 الجاري وهددونا. وأجبرونا على ترك منزلنا وقريتنا. اعطونا يومين حدا اقصى، لكنّهم حذّروني من توضيب الامتعة. فلم احضر سوى حقيبة واحدة فيها ملابس طفلتي. الوضع بات صعبا جدا في الموصل، لاسيما بالنسبة الى المسيحيين الذين يتعرضون لآلاف المضايقات. لم يبق في (بلدة) حي السكّر (في الموصل) سوى عدد محدود جدا من العجزة. الجميع يغادرون تحت وطأة التهديدات. والاسوأ اننا لا نستطيع بيع ممتلكاتنا لشراء تذاكر السفر، لانهم ينادون علنا بأن أملاكنا ستصبح لهم ما ان يفرغ العراق من مسيحييه. وهذا لن يحتاج الى اكثر من سنة! فلا يكون امامنا سوى بضع ساعات لانقاذ ارواحنا. دفعنا 650 دولارا ثمن التذكرة الواحدة، وحين حططنا في مطار بيروت واجهنا مشكلات مع الامن العام الذي لم يأذن لنا بالدخول سوى لخمسة عشر يوما». لا يتردّد لؤي في الافصاح عن الخوف الذي «بلغ فينا اقصى درجاته»، يستعيد صورة الوضع في الموصل: «كان الرعب يلازمني كظلّي، فلا اعلم من معي ومن ضدّي وكيف سألاقي حتفي أبرصاصة أو بانفجار سيارة مفخخة أو بخطف ينتهي بال

عن صحيفة الشرق الأوسط