لقد علم المسيح في الموعظة على الجبل، قائلاً:
"٣٨ «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. 39 وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً. 40 وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضاً. 41 وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ." متى ٥.

وكثيرًا ما نسمع محاربي المسيحية يستهزئون بهذه التعاليم، ويدَّعون أنها سخيفة ولا يمكن أن تنجح أو تنفع في عالمنا هذا. ففي هذا المقال سنحاول أن نتحدى أفكارهم التي تؤيد الرد بالمثل: عن العنف بعنف؛ عن القتل بالقتل؛ عن الشتيمة بالشتيمة، ونبحث:

هل الرد على الشر بالمثل، أنجح؟
أم تطبيق تعاليم المسيح هي أنجح؟

قبل كل شيء سأحاول تحليل النص أعلاه؛ وأورد بعض الملاحظات المهمة عنه بخصوص قضية اللاعنف.

١- إن المسيح أورد ردة الفعل الطبيعية البشرية ضد الشر، وهي التصرف بالمثل: “عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ"؛ لكن في نفس الوقت لم يدعو المسيح المؤمنين بأن يأخذوا موقف الهروب، أو السكوت، أو عدم الرد على الفعل. بل دعاهم أن يفعلوا شيء ثالث غير مُتوقع: وهو كشف الإنسان أمام شره، وخلق فرصة للحوار معه والشهادة له، لرده عن خطأه.

٢- لقد حوَّل المسيح نفس الإنسان المؤمن من الاعتقاد بأنه ضحية ويحتاج إلى الرحمة؛ إلى جعله يعتبر أن فاعل الشر معه هو الضحية التي تستحق الرحمة والصلاة لأجله والشفقة عليه (متى ٥: ٤٤). والهدف هو أن يتوب الخاطي ويخلُص ويتحرر من سلطان الظلمة وتَسَلُّط إبليس عليه.

٣- إن تطبيق تلك المبادئ هي دعوة للإنسان للاعتماد على التدخل الإلهي التام، وليس لأخذ الإنسان حقة بيده، كما يعلم الكتاب أيضًا ويقول:
“ 19 لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ بَلْ أَعْطُوا مَكَاناً لِلْغَضَبِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. 20 فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هَذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ». 21 لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ." رومية ٨.
طبعًا هذا صعب جدًا على الإنسان، ويتطلب الكثير من الإيمان؛ لكن إن طبقناه، نطلق يد الله لتعمل في حياة الُمضطهِدين، وفي المشكلة معهم. إن هذا هو الانتقام بحسب مفهوم الله، وليس أخذ الحق بأيدينا:
“ 6 وَمُسْتَعِدِّينَ لأَنْ نَنْتَقِمَ عَلَى كُلِّ عِصْيَانٍ، مَتَى كَمِلَتْ طَاعَتُكُمْ." ١ كورنثوس ١٠.
أي إن الانتقام المسيحي هو، أن نطلق يد الله لتعمل في حياة المضطهِدين، وهذا يتم فقط عندما نطيع ونطبق تعاليم المسيح الصعبة في حياتنا.

لماذا يفترض محاربوا المسيحية أن الانتقام والرد بالمثل هو أنجح؟

أحب أن أقول لهؤلاء أن الرد بالمثل، بالتأكيد ليس أفضل. فبالرغم من أنه يعطي صاحبه جرعة مخدرة من هدوء النفس، إلا أنه يدمر نفس المنتقم، ويجعله يحصد ثمار الموت والعنف وفقدان السلام في الحاضر والمستقبل.

وحتى على نطاق قومي، لقد سجل التاريخ أبرز الثورات التي لم ولن تُنسى، ثورة مهاتما غاندي ضد الاستعمار البريطاني، ولاقت ثورته أكبر نجاحًا مقارنةً بأي حرب أو ثورة في القرن العشرين وفي جميع القرون التي مضت.

لقد تأثر غاندي بتعاليم المسيح، وأعجب بها، وهذا شكل أفكاره وآراءه السياسية، وجعله يحرر الهند كاملة، ويُلبس البريطانيين بالخزي والعار الذي لا يُنسى. وفيما يلي بعض آراءه المُعجَبة بالمسيح، التي عبر عنها في كتاب كتبه بنفسه بعنوان: “غاندي على المسيحية".
Mahatma Gandhi, Gandhi on Christianity, Edited by Robert Ellsberg, copyright 1991, Orbis Books.

المسيح لا يمثل إنسانًا فحسب، بل المثال للاعنف (ص ٤٦)؛ وآمن بالعظة على الجبل، خاصة في فكرة اللاعنف (ص ٣٢)؛ وبخصوص تلك العظة، اعتبر غاندي نفسه مسيحيًا، أي مطبقًا للعظة (ص ٩٦)؛ وأطلق أشد العبارات عن الذين لا يؤيدون اللاعنف، مثل: جميع التفاسير للكتاب المقدس الذي لا تتماشى مع اللاعنف هي مرفوضة (ص ٩٤)؛ جميع الذي يتناقد مع اللاعنف يجب أن يُرفض (ص ٦٦)؛ الخط الذي يحكم على مصداقية المذاهب والديانات هو تأييدها أو رفضها للعنف (ص ٨٣)؛ لقد ميز غاندي بين العبادة المسيحية، والجانب التوجيهي للمسيح، والذي أخذه غاندي لنفسه وركز على التمثل في شخص المسيح وليس ممارسة العبادة المسيحية بحد ذاتها (ص ٩٢)؛ قال غاندي أيضًا: "كل شخص فينا هو ابن الله وقادر أن يفعل ما فعله يسوع، إذا سعينا للتعبير عن الله الذي فينا.” (ص ٩٩)؛ وقال: " إن يسوع كفر عن الخطايا للذين قبلوا تعاليمه عن طريق رؤيته كمثال لم يخطئ أمامهم. لكن مثاله لم ينفع بشيء للذين لا يرغبون على تغيير حياتهم.”(ص ٢٤)؛

(كتبت تلك الملاحظات في مقالة لمنقح الكتاب، روبرت إلسبيرغ:http://www.soundwitness.org/pop_culture/a_critique_of_gandhi.htm ).

نجد غاندي يطبق الموعظة على الجبل للمسيح (متى ٥-٧) (بحسب مفهومه الخاص) في تأسيس حركة مقاومة ضد الاحتلال البريطاني. فبالرغم من مفهوم غاندي الجزئي والمشوه عن تعاليم المسيح، كانت ثورته الأكثر نجاحًا وتأثيرًا وتميُّزًا في التاريخ كله، قديمًا كان أو معاصرًا. لقد ساهمت الثورة السلمية بزرع بذار اللاعنف الجليلة في الهند، حصدت الهند ثمارهًا إلى اليوم، وأصبحت الهند اليوم من أسرع الدول تطورًا وأبرزها تكنلوجيًا وصناعيًا. وأصبحت تصنع جميع الأجهزة الثقيلة من: طيارات، سيارات، شاحنات، باصات..إلخ، وجميع أنواع الأجهزة الألكترونية، والطبية من أبسطها إلى أثقلها (مثل أجهزة أكس ريي؛ وسي تي سكان، لكل الجسم). أيضًا لقد أثر غاندي على الكثير من الشخصيات حول العالم، منها شخصيات فلسطينية مثل د. مبارك عوض، الذي أسس المركز الفلسطيني لدراسات اللاعنف.

أما من جهة فلسطين، سأورد أيضًا صورة باهتة عن قوة اللاعنف وتميزه عن العنف. لنتذكر الانتفاضة الأولى، أنها كانت سلمية نسبيًا، انتفاضة حجارة مقابل أسلحة قاتلة، وأحيانًا دبابات إسرائيلية. بينما الانتفاضة الثانية كانت أكثر دموية، استخدم الفلسطينيون فيها الأسلحة والمتفجرات في الحرب ضد إسرائيل التي أودت بحياة المئات من الاسرائيليين، واستخدم الاسرائيليون الطيارات والأسلحة الثقيلة لردعها، مما أدى إلى قتل الآلاف من الفلسطينيين. والسؤال هنا هو:
ماذا حققت الانتفاضة الأولى للفلسطيين؟ وما حققت الانتفاضة الثانية؟

إن جميع المكاسب السياسية التي حققها الفلسطينيون كانت بفضل الانتفاضة الأولى وليست الثانية. لقد أجبرت الانتفاضة الأولى إسرائيل عن التخلي عن الشعار الذي رفعته منذ عام ٦٧ ولغاية أوائل التسعينات؛ شعار “أرض إسرائيل الكاملة"، وأجبرتهم للجلوس على طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين. أيضًا أدت إلى تاسيس السلطة الفلسطينية، رفع العلم الفلسطيني، تأسيس كيان فلسطيني...إلخ. بالرغم من أن الفلسطينيون يعتبرون هذا قليل جدًا من حقوقهم، إلى أن جميع هذه الانجازات المتواضعة، نالها الفلسطنيون بفضل انتفاضة الحجارة وليست انتفاضة المنتحرين.

لكن من جهة المثالين السياسيين السابقين، مهم جدًا أن أوَضِّح الآتي:

١- لم أقصد في هذا المقال أن أقدم أي توجه سياسي معين، لكن الهدف من المثالين هو توضيح قوة اللاعنف الساحقة، وتميزه عن العنف.
٢- لست أدَّعي في هذا المقال، أنِّي أؤيِّد المقاومة السلمية للاحتلال، مثل ثورة غاندي أو الانتفاضة الأولى، لكن الهدف هو تحدي أفكار الذين يستخفون بتعاليم المسيح بخصوص اللاعنف، ويؤمنون بأن الذي يُؤخذ بالقوة، لا يسترد إلا بالقوة. نعم سيسترد بالقوة ربما، لكن في المستقبل سيسقط الذي استرده بالقوة، بالقوة أيضًا،".. لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون.”(متى ٢٦: ٥٢)؛ وهكذا رأينا مصير كل ثورة أقيمت بالقوة، مثل العراق، مصر، ليبيا وغيرها.
٣- لست أدَّعي في هذا المقال، أن ثورة غاندي أو الانتفاضة الأولى تتوافقان مع تعاليم المسيح، انما هي صور واقعية باهتة عن اللاعنف.

في النهاية أقول للذين يستخفون بتعاليم المسيح في قضية اللاعنف:
فإن كان التطبيق الباهت الجزئي لتعاليم المسيح في تجربة غاندي والانتفاضة الأولى، أعطى ثمرًا وتأثيرًا ساحقًا كهذا، فكم بالحري يكون الحال إذا طُبقت تعاليم المسيح بخذافيرها وبإيمان في هذا العالم؟

سأترك الإجابة للقارئ

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا