إن أحد الأمور التي تميز المسيحية عن سائر ديانات العالم، هي أنها الوحيدة التي تقدم للإنسان براءة من الذنب وليس غفرانًا عن الخطايا فقط. أما جميع الديانات الأخرى فترجوا أن تساعد الإنسان الذي يؤمن بها، بأن يحصل على غفران لخطاياه وذنوبه، على أمل أن ينال الجنة بعد موته. لكن للأسف، لا يدرك جميع أصحاب الديانات الأخرى السر الإلهي المُعلن في العهد الجديد، وهو أن الله لا يقبل أي إنسان على أساس غفران خطاياه فقط؛ بل كبريء من أي ذنب.

ما هو الفرق بين الغفران والبر، أو البراءة؟

في الغفران يَثبُت ذنب الإنسان، لكنه ينال حلًا يحرره من ذلك الذنب. مثلاً إذا حُكم على إنسان بتهمة سرقة، ودفع ثمن خطيته بأنه سجن لمدة خمس سنوات. فبعدما يخرج من السجن تكون تلك الخطية مغفورة له؛ ولا يستطيع القانون أن يمسكه بها. لكن بالرغم من هذا، إذا قدم طلبًا للعمل في أي مكان، سوف لا يوظفه أحد على أساس ذلك الغفران، لأن الغفران لا يحرره من عار خطيته؛ ويبقى أثرها في ملفه الجنائي مدى الحياة. أما البر بحسب تعليم الوحي في رسالة رومية، فهو البراءة من الذنب؛ وهو عندما يقف ذاك الذي اتهم في السرقة، في محكمة؛ ويتضح أنه بريء من تلك التهمة أصلاً؛ ويُحكم عليه بإخلاء السبيل لأنه بريء. وهنا يوجد فرق شاسع بين الإثنين حيث أن الثاني يكون كالذي لم يتهم في أي شيء؛ خالٍ من أي ذنب أو عيب، وبلا لوم.

لقد كانت الذابائح في العهد القديم هي الوسيلة لنيل الغفران عن الخطايا السابقة. وذبيحة الكفارة، التي تقدم مرة في السنة بواسطة رئيس الكهنة، كافية لغفران جميع الخطايا السابقة لأي إنسان من شعب الرب يتوب ويقبل تلك الكفارة. أما في العهد الجديد، يُعلم الوحي بأن المسيح هو الكفارة التي قدمها الله عن خطايا جميع العالم (١ يوحنا ٢: ١-٢)، وفيها نلنا براءة من أي ذنب وليس غفرانًا فقط. لقد نلنا الغفران بواسطة موت المسيح على الصليب، ونلنا البراءة بواسطة قيامة المسيح؛ التي فيها تبرهن أن أنه بريء من أي ذنب؛ وبالتالي يقدر أن يبرر كل من يقبله كمُخلص:
"٢٥ الذي (أي المسيح) أسلم من أجل خطايانا، وأقيم لأجل تبريرنا (إعطائنا البراءة)” رومية ٤.

الغفران في ديانات أخرى:

في اليهودية:
بعد دمار الهيكل سنة ٧٠ م، وانتهاء وجود الكهنوت الرئيسي والذبائح، وطرد اليهود من القدس. قام الحاخام يوحنان بن زكاي بإعادة صياغة شروط الغفران في اليهودية. فنجح بإقناع المجمع اليهودي بأن الصلاة، والأعمال الصالحة تسد عن الاحتياج إلى ذبيحة للتكفير عن الخطايا. وذلك استنادًا إلى آية: "أريد رحمة لا ذبيحة" (هوشع 6: 6)، وإلى بعض الدلائل في العهد القديم على أن الشعب نال غفرانًا من الله عن خطاياهم وهم في السبي، دون وجود هيكل وذبائح (رابي نتان، أبوت 4). وتابع أيضًا هذا التعليم الجيل الثاني للتنَّائيم مؤكدين أن الأعمال الصالحة التي تتنج عن التوبة الداخلية والتي عبر عنها الحاخامات بـ : "الصلاة، والتوبة، والأعمال الصالحة"، تغفر الخطايا وتسد عن الذبيحة (توسفتا، طعنيت، الكتاب الثاني، الفصل الأول، 65 / ب) وهذه أقوال مدعمة من قبل حيا بار آبا، ورابي عكيبا وغيرهم من التنائيم.

في الإسلام:
أيضًا في الإسلام يوجد حلول كثيرة لغفران الخطايا (أي السيئات)، منها الأعمال الحسنة (الرعد ٢٢)؛ أيضًا ربطها بالتوبة والإيمان (الفرقان ٧٠؛ العنكبوت ٧)؛ إقامة الصلاة (هود ١١٤)؛ تجنب الكبائر، أي الخطايا الكبيرة (النساء ٣١)؛ أيضًا للذين يضحون، يقاتلون، ويموتون في سبيل الله (آل عمران ١٩٥). يوجد أيضًا أمور إضافية عديدة تندرج تحت عمل الصالحات موجودة في الأحاديث مثل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بر الوالدين؛ طاعة الزوجة للزوج؛ حفظ عرض المسلم؛ أطعام الناس؛ وصلة الأرحام. وأمور أخرى إضافية ايضًا مثل: أسباغ الوضوء؛ الصيام؛ الحج والعمرة؛ الحمد عقب الأكل واللبس؛ وأيضًا ذكر الله تعالى ومصاحبة الذاكرين.

وحتى في جميع الديانات الوثنية القديمة التي كانت في الشرق القريب، كان عندها أيضًا حلولاً لغفران الخطايا. فتلك القضية هي من أكثر القضايا جوهرية في حياة الإنسان؛ وهي موجودة في ضميره وفطرته. فعندما يرتكب الإنسان ذنب؛ ويشعر بضميرة أنه فعل خطية؛ وينتابه الشعوب بالذنب والإحباط؛ فكيف يكفر عنه؟
لذلك تجد أن جميع الديانات القديمة تتعامل مع قضية غفران الخطايا، نظرًا لجوهريتها في حياة البشر. ولها حلول كثيرة ومختلفة لقضية التكفير عن الخطايا والذنوب؛ معظمها تتمحور حول الأعمال الصالحة، الذبائح والصلاة والتعبد لله أو للآلهة.

لكن إن افترضنا جدلاً أن جميع هؤلاء من مختلف الديانات نجحوا في نيل غفران عن خطاياهم، هل هذا سيكفي في اليوم الآخر؟

لقد أعلن لنا الله من خلال العهد الجديد سِرًا مصيريًا؛ وهو أن الله لا يقبل الإنسان على أساس غفران عن خطاياه فقط، بل على أساس البراءة من الذنوب. إن هذا هو مجد الإنجيل ولهذا جاء المسيح ليخلص البشر:

" 16 لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ... 17 لأَنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ ....” رومية ١.

الإنجيل هو بشرى مجيء، تعاليم، موت، قيامة، صعود، ورجوع المسيح لأجل خلاص البشر. إن الوحي يبرز لنا، أنه في الإنجيل أعلن الله عن قوته للخلاص؛ وقوته تكمن في توفيرة البراءة للإنسان من أي عيب أو ذنب. بخلاف الناموس الذي وفر للإنسان غفرانًا عن خطاياه التي يُكفَر عنها فقط؛ وفيها لم يُمحى عار خطاياه التي ارتكبها. فالوحي يلخص في رسالة رومية عطية الله للمفديين بلكمة واحدة – البر؛ أي البراءة من الذنب (رومية ٥: ١٣-٢١). إذًا عطية الله لنا هي ليست الخلاص؛ ليست الحياة الأبدية في الجنة؛ ليست البنوة؛ ليست الروح القدس، بدايةً. بل عطية الله لنا هي البراءة من الذنوب؛ وعندما أصبحنا أبرار في المسيح، أصبح لنا خلاص، بنوة، حياة أبدية، وسكنى الروح القدس وجميع البركات السماوية في ملكوت الله.

إن معظم الناس من جميع الديانات يجهلون هذا السر المصيري، فجميعهم يرجون غفرانًا عن خطاياهم، لكنهم لا يدركون أن الله سوف لا يقبل أي إنسان على أساس غفران خطايا فقط؛ بل على اساس البراءة من الذنوب. هذا إذا افترضنا أنهم سوف ينالون فعلاً غفرانًا عن خطاياهم كما يؤمنون. لذلك الجنة والخلود في جميع الديانات، هي رجاء يرجو أن ينالة الإنسان بعد موته؛ لذلك يبقى مصيرة غير مضمون أبدًا. أما المسيحية فالوصول إلى الله والجنة هي بداية الطريق مع الله؛ وهي مضمونة وأكيدة للذي يؤمن بالمسيح يسوع ويقبله كمُخلص؛ وذلك بسبب ضمان البراءة من الذنوب والخطايا.

أنا لست ألوم أي إنسان لا يعرف المسيح، على انحصار امنيته حول نيل الغفران فقط؛ فإن هذا هو إدراك أي إنسان طبيعي منفصل عن الله. هذا أيضًا ما أبرزه المسيح في قصة الابن الضال؛ حيث أن هذه كانت أمنية الابن الضال نفسه، حيث قال:
" 18أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ 19وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. اِجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَجْرَاكَ." لوقا ١٥.

أي إن ما كان يرجوه الابن الضال هو غفران عن خطاياه فقط، وكأنه يقول:
" أنا أخذت نصيبي من الميراث، وأخطأت في حق أبي، يا ليته يسامحني ويقبلني أن أحيى عنده؛ وآكل طعامي بواسطة أعمالي وتعبي؛ لأني أخذت نصيبي من الميراث ولا يوجد أي شيء مستحق لي عنده".

أما أبوه فلا يستطيع أن يقبله على أساس غفران أبدًا، لأن الغفران سيثبت بأنه ابن معاند، وسيكون مصيره الرجم بحسب الشريعة (تثنية ٢١: ١٨-٢١). بل يستطيع الأب أن يقبله فقط على أساس براءة من أي ذنب، وكأنه يقول لسكان القرية:
" إني حر بمالي، أنا أعطيت ابني مبلغ معين من المال، ليسافر ويتنعم به؛ والآن قد رجع من السفر."

إن الأب هو الوحيد القادر أن يبرءه، لأنه الوحيد الذي أخطأ الابن في حقة، وهو الوحيد الذي دفع ثمن خطيته:

" 22 فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ وَاجْعَلُوا خَاتَماً فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ 23 وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ 24 لأَنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ." لوقا ١٥.

لذلك قبله الأب على أساس أنه بريء من أي ذنب، وكأنه لم يفعل شيئًا مما فعل. هذا أيضًا ما يفعله الله لجميع الذين يقبلون يد الله الممتدة إليهم بالمسيح يسوع.

إن الله في هذه الأزمنة ينادي جميع الشعب العربي، في جميع أقطاره؛ ليس لكي يغفر خطاياهم فحسب، بل ليمحي خطاياهم ويعطيهم براءة المسيح؛ حيث قال:

" ١٩ فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ." أعمال ٣.
" ١ طوبى للذي غُفر إثمه (غفران) وسُتِرت خطيتهُ (براءة) ٢ طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا في روحه غِشٌ (براءة تامة)." مزمور ٣٢ (أنظر أيضًا إلى رومية ٤: ٦-٨).

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا