يوجد في الكتاب المقدس الكثير من الصور التي يساء فهمها وخاصة تلك التي تكشف عورة النساء، مثل نبوة الرب عن حالة الشعب للنبي حزقيال:
" ١ وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ: ٢ يَا ابْنَ آدَمَ, كَـانَتِ امْرَأَتَانِ ابْنَتَا أُمٍّ وَاحِدَةٍ, ٣ زَنَتَا بِمِصْرَ فِي صِبَاهُمَا. هُنَاكَ دُغْدِغَتْ ثُدِيُّهُمَا, وَهُنَاكَ تَزَغْزَغَتْ تَرَائِبُ عُذْرَتِهِمَا. ٤ وَاسْمُهُمَا: أُهُولَةُ الْكَبِيرَةُ, وَأُهُولِيبَةُ أُخْتُهَا. وَكَـانَتَا لِي, وَوَلَدَتَا بَنِينَ وَبَنَاتٍ. وَاسْمَاهُمَا: السَّامِرَةُ أُهُولَةُ, وَأُورُشَلِيمُ أُهُولِيبَةُ. " حزقيال ٢٣.

طبعًا ما يقوله الله واضح، إن رسالته تخص امرأتان، أهولة (ومعناها "خيمتها"، كناية عن شعب السامرة) وأهوليبة (معناه "خيمتي فيها"، كناية عن شعب يهوذا وأورشليم). شبههم الله بالزانيات كصورة لشركهم وعبادتهم للأوثان وتركهم للرب إلههم الذي خلصلهم وميزهم من بين الأمم.
لكن في النصوص التي مثل هذه، نحتاج أن ندرك بعض الأمور والمفاتيح الهامة لكي لا نسيء فهمها:

١- إن هذه الصور تنقل حالات واقعية من حياة البشر الخطاة الذين يعيشون في هذا العالم، وبالتأكيد لا تمس قداسة الله إطلاقًا لأنها مرتبطة بأفعال الناس وليس الله. وأحد الأهداف منها هو مواجهة الإنسان بسؤال هام: “هل تريد أن تكون هكذا، أم تريد أن يغير الله حياتك ؟" فأحد الأشياء العظيمة في الكتاب المقدس هي أنه ليس مونولوجًا، أي حوار من الله للإنسان بإتجاه واحد فقط. بل الكتاب هو حوارٌ مستمرٌ ما بين البشرية والله. الكتاب ينقل صرخات وتساؤلات الإنسان، وأحداث تاريخية كثيرة، جماعية وشخصية؛ ليس بهدف التاريخ؛ بل بهدف رؤية ردود فعل الله على التساؤلات، الأحداث والتاريخ. لذلك إن ردود فعل الله هي الخلاصة الهامة التي يريدنا الله أن ندركها، وليس التشابيه أو الأحداث بحد ذاتها.

٢- إن الوحي يستخدم هذه التشابيه ليس لكي يكشف عورة النساء، لكن لكي يكشف المساس بشرف وكرامة الزوج. وفي معظم النصوص يشبه الله نفسه بذلك الزوج الذي يتواجه مع خيانة الزوجة له (أي شعبه). كما يتابع الوحي ويقول في العدد الذي يليه: " ٥ وَزَنَتْ أُهُولَةُ مِنْ تَحْتِي وَعَشِقَتْ مُحِبِّيهَا...". فضمير المتكلم هنا في عبارة "من تحتي"، يعود للرب، أي أنها خانت الرب خيانة عظمى، وزنت مع محبين آخرين، وأحبتهم أيضًا، أي تلذذت في عبادة الآلهات الوثنية وتركت الله.

٣- لماذا يحتاج الله أن يورد نصوصًا كهذه في كلمته المقدسة، يحسبها الكثير من النقاد فاضحة ؟

الجواب هو أن الله لا يحتاج أن يورد نصوصًا كهذه في كلمته المقدسة، لكن الإنسان هو الذي يحتاج إلى نصوص كهذه، لكي يدرك القليل عن حقيقة بشاعة وشر أعماله !!
إن الله استخدم تلك الصور التي تزلزل الأبدان، وتضفي على الإنسان الشرقي، التي تكلمت إليه تلك النصوص، الشعور بالامتعاض والانزعاج والإدراك بجدية الشر الذي يعيش فيه الشعب. ومعروف عن شعب الشرق القريب بأنه مجتمع شرف، وأعظم شيء يحرك مشاعره وأحاسيسه هو الشرف. لهذا السبب أكثر الله من استخدام صور تصور المساس بشرف الله كنتيجة لتصرفات الإنسان؛ لعل الإنسان يُشعر بالقليل من بشاعة خطيته ليتوب ويرجع إلى الرب. إن الخطية هي ليست خطأ يرتكبه الإنسان فحسب؛ فهي ليست أن يجيب الإنسان مثلاً: ١ + ١ = ٣ بدلا من ٢. إن الكتاب يسمي الخطية بالتعدي على الله شخصيًا (١ يوحنا ٣: ٤)؛ ولهذا جاء المسيح ليضع حلا يبرر الإنسان من تلك التعديات (عبرانيين٩: ١٥).

فإذا قال الله للشعب أنك أخطأت فقط، هل سيدرك الإنسان حجم خطيته بحق الله؟؟
لكن عندما يقول للشعب، أنك مثل الزوجة لي، لكنكِ ذهبت وزنيت مع رجال آخرين، سيدرك الإنسان القليل من الشر الذي فعله. وهذا ما نفعله عادةً عندما نريد أن نتواصل مع بعضنا البعض، مثلاً عندما يقول لك شخص كلمة جارحة مؤلمة جدًا، تقول له: “صدقني لو طعنتني بسكين، لكان أهون من تلك الكلمة". إن هذه صورة معبرة، لكنها بشعة جدًا، لكن الهدف عادةً من عبارة كهذه هو أن تجعله يشعر بحجم بشاعة وقساوة تلك الكلمة التي قالها لك. لهذا السبب أورد الله تلك التعابير في كلمته المقدسة، لأنه إله تواصُل ويريد أن يفهم رسالته لكل إنسان يقرأ كلمته، فيستخدم أحيانًا تلك الصور لتكلم الإنسان وتجعله يدرك حجم وشر الخطية عند الله.

٤- إن الكتاب المقدس لا يصور الله كأنه إله ذات شخصية مهزوزة، وكأنه فقد السيطرة على الإنسان؛ وعنده أزمة في القدرة على التعامل والتواصل معه؛ لذلك يلتجئ إلى التهديد والوعيد، ولغة جهنم والنار والعذاب...إلخ، ليجبر الإنسان أن يحترمه ويقدسه. إن الكتاب المقدس يصور الله كإله على ثقة كاملة بذاته؛ لذلك يتواصل مع الإنسان بالحوار؛ لكي يفهمه أعماق شره وخطيته، بهدف إبراز قدرته وخطته لتغيير قلب الإنسان ومصيره.

ففي إرميا الأصحاح الثاني مثلاً، يستخدم الله ثلاثة صور بشعة عن الشعب، ليجعلهم يدركون القليل عن حجم خطيتهم بحق الله، وتلك الصور هي:

١- المرأة المتزوجة التي تزني على زوجها:

" ...لأَنَّكِ عَلَى كُلِّ أَكَمَةٍ عَالِيَةٍ وَتَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ أَنْتِ اضْطَجَعْتِ زَانِيَةً! (إرميا ٢: ٢٠).

٢- ناقة خفيفة، وأتان الفراء في موسم التزاوج:

" ٢٣ كَيْفَ تَقُولِينَ: لَمْ أَتَنَجَّسْ. وَرَاءَ بَعْلِيمَ (الأوثان) لَمْ أَذْهَبْ؟ انْظُرِي طَرِيقَكِ فِي الْوَادِي. إِعْرِفِي مَا عَمِلْتِ يَا نَاقَةً خَفِيفَةً ضَبِعَةً فِي طُرُقِهَا! ٢٤ يا أَتَانَ الْفَرَاءِ قَدْ تَعَوَّدَتِ الْبَرِّيَّةَ! فِي شَهْوَةِ نَفْسِهَا تَسْتَنْشِقُ الرِّيحَ. عِنْدَ ضَبَعِهَا مَنْ يَرُدُّهَا؟ كُلُّ طَالِبِيهَا لاَ يُعْيُونَ. فِي شَهْرِهَا يَجِدُونَهَا."

وبهذا أراد الله أن يفهم الشعب أنه أصبح منقاد بالغريزة تمامًا وكل شيء عنده مباح، ولا يوجد عنده أبسط أنواع الخجل من الفواحش التي يمارسها.
وهذه التعابير التي تصور تصرفات البعض من الحيوانات، يستخدمها الوحي أحيانًا في أسفار الأنبياء. إرميا ٣١: ١٨ مثلاً، يشبه الله الشعب بعجلٍ غير مُروض. وفي هوشع، يستخدم الوحي تشبيه الشعب بالبقرة الجامحة التي من الصعب ردها (هوشع ٤: ١٦)، لكن في نفس الوقت يشبه الله نفسه بذاك الصاحب الحنون الذي رد تلك البقرة الجامحة بقوله:
" ٤ كنت أجذبهم بحبال البشر برُبُط المحبة وكنت لهم كمن يرفع النير (القيد) عن أعناقهم ومددتُ إليه مطعمًا إياه.” هوشع ١١.
لكي يبرز الله يده التي حررتهم من العبودية إلى الحرية ومن الذُل إلى المجد.

٣- السارق الذي يُمسك مُتلبسًا:

" ٢٦ كَخِزْيِ السَّارِقِ إِذَا وُجِدَ هَكَذَا خِزْيُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ هُمْ وَمُلُوكُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَكَهَنَتُهُمْ وَأَنْبِيَاؤُهُمْ ٢٧ قائِلِينَ لِلْعُودِ: أَنْتَ أَبِي وَلِلْحَجَرِ: أَنْتَ وَلَدْتَنِي (عن الأوثان). لأَنَّهُمْ حَوَّلُوا نَحْوِي الْقَفَا لاَ الْوَجْهَ وَفِي وَقْتِ بَلِيَّتِهِمْ يَقُولُونَ: قُمْ وَخَلِّصْنَا." أرميا ٢.
وهذه الصورة تصور تحذير الله للشعب عن دينونته الآتية على يد البابليين؛ التي فيها سيخزي الله الشعب ويزيد على الذل الذي يعيش فيه، كنتيجة لبعده عن الله وعدم استجابته لنداءات التوبة.

أيضًا يقدم الله في نفس الأصحاح مفارقة ما بين عمله العظيم في وسط الشعب، الذي يشبهه بالكرمة المختارة المقدسة، وكيف أن عمل الشعب النجس حولها إلى كرمة فاسدة:
" ٢١ وَأَنَا قَدْ غَرَسْتُكِ كَرْمَةَ سُورَقَ (مختارة) زَرْعَ حَقٍّ كُلَّهَا. فَكَيْفَ تَحَوَّلْتِ لِي سُرُوغَ جَفْنَةٍ غَرِيبَةٍ؟ (أي فاسدة)" أرميا ٢ (كما في أشعياء ٥ أيضًا).

لكن في نفس الوقت الله دائمًا يظهر نفسه كإله مُخَلص يريد أن يَرُد الشعب عن شره ليرجع إلى الله. فالله في إرميا يشبه نفسه بالرجل الذي حتى ولو زوجته خانته وذهبت وراء رجال آخرين، فالطبيعي عند البشر أن لا يقبلها رجلها بعد. وأما عند إلهنا المجيد، الُمحب، المليء بالرحمة والبر، فقوة فداءه أعظم من أي ذنب للإنسان أو الشعب، فيقول:

" ٢ ... إِذَا طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَانْطَلَقَتْ مِنْ عِنْدِهِ وَصَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ فَهَلْ يَرْجِعُ إِلَيْهَا بَعْدُ؟ - أَلاَ تَتَنَجَّسُ تِلْكَ الأَرْضُ نَجَاسَةً؟ أَمَّا أَنْتِ فَقَدْ زَنَيْتِ بِأَصْحَابٍ كَثِيرِينَ! لَكِنِ ارْجِعِي إِلَيَّ يَقُولُ الرَّبُّ." إرميا ٣.

يا له من إله مجيد، مُحب ورحيم؛ دائمًا باب التوبة لديه مفتوح للإنسان. لكنة أيضًا إله عادل لن يتساهل مع الإنسان الذي لا يتوب. لذلك شبه الله نفسه بالزوج الذي سيطلق زوجته إن لم تتب وترجع عن شرها:

" ٦ وَقَالَ الرَّبُّ لِي فِي أَيَّامِ يُوشِيَّا الْمَلِكِ: [هَلْ رَأَيْتَ مَا فَعَلَتِ الْعَاصِيَةُ إِسْرَائِيلُ؟ انْطَلَقَتْ إِلَى كُلِّ جَبَلٍ عَالٍ وَإِلَى كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ وَزَنَتْ هُنَاكَ. ٧ فَقُلْتُ بَعْدَ مَا فَعَلَتْ كُلَّ هَذِهِ: ارْجِعِي إِلَيَّ. فَلَمْ تَرْجِعْ. فَرَأَتْ أُخْتُهَا الْخَائِنَةُ يَهُوذَا. ٨ فَرَأَيْتُ أَنَّهُ لأَجْلِ كُلِّ الأَسْبَابِ إِذْ زَنَتِ الْعَاصِيَةُ إِسْرَائِيلُ فَطَلَّقْتُهَا وَأَعْطَيْتُهَا كِتَابَ طَلاَقِهَا (عندما سمح الرب بسبي أشور لإسرائيل ) لَمْ تَخَفِ الْخَائِنَةُ يَهُوذَا أُخْتُهَا بَلْ مَضَتْ وَزَنَتْ هِيَ أَيْضاً. ٩ وَكَانَ مِنْ هَوَانِ زِنَاهَا أَنَّهَا نَجَّسَتِ الأَرْضَ وَزَنَتْ مَعَ الْحَجَرِ وَمَعَ الشَّجَرِ (أي عبدت الأوثان)." إرميا ٣.

إن إلهنا إلهٌ مجيدٌ وعظيم، من الجهة الأولى يتواصل مع الإنسان بصور بشعة ومتطرفة لكي يحرك مشاعره وأحاسيسه ليدرك خطيته ويتوب. لكن من الناحية الأخرى، عنده دائمًا حل قانوني لخطية الإنسان بالرحمة والعدل. وعنده خطة لتغيير قلب الإنسان من الداخل. حقًا هو إله رحيم ومُحب ومُخَلص، يستحق أن نعبده ونتبعه ونتكرس بالكامل له.

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا