مقدمة

لست أعلم لماذا يطلق الناس عليهم على الدوام الثلاثة فتية ؟ ... من الحق أنهم وصلوا إلى بابل ، وهم فتيان صغار فى طراوة العمر وربيع الحياة ، لكن من المؤكد أنهم تقدموا مع الزمن ، وتجاوزوا - على الأغلب - الخامسة والثلاثين ، عندما واجهوا امتحانهم الأعظم أمام أتون نبوخذ ناصر ،  ولقد وصفوا فى القصة سبع مرات بأنهم « رجال » ... ومع ذلك فأنت لا تكاد تذكرهم رجالاً أو شيوخاً ، بل هم فى ذهنك مع الدوام الفتيان الثلاثة هل توقف الزمن هنا ليمنحهم شباباً خالداً لا يمكن أن ينال منه الضعف أو الوهن أو العجز بأية صورة من الصور !!؟ فى الحقيقة ، إن الشباب روح قبل أن يكون جسداً ، وما أكثر الذين يعيشون فى جسد الشباب وهم شيوخ ، … وما أكثر الشيوخ الذين يحملون روح الشباب مهما امتدت بهم الحياة أو ناء ما تحت الوهن أو الضعف الجسدى !! … والثلاثة الفتية كانت أسماؤهم العبرية مرتبطة باللّه – فحنانيا يعنى « اللّه حنان » ، وميشائيل يعنى « من مثل اللّه !!؟ .. » وعزريا  « اللّه يعين». وحاول السبى أن ينسيهم هذا الارتباط بتغيير أسمائهم ، وإضافة آلهة الكلدانيين إلى أسمائهم الجديدة ، فأخذ حنانيا اســـــــم « شدوخ » أو « أمر آخ » وآخ كان معبود القمر عند البابليين أو كما ندعوه الآن « سدراك » وميشائيل أضحى « ميشخ » أو تحول : « من مثل اللّه » إلى « من مثل آخ » وهو عندنا الآن ميخائيل ، والثالث وكان اسمه « عزريا » وقد أعطى « عبد نغو » وعبد نغو معبود العلم عند البابليين،... على أن هذا التغيير فى الأسماء ، لم يغير نبضة واحدة من نبضات قلوبهم التى تنبض باسم إلههم الواحد القديم ، وبارتباطهم به فى الحياة أو الموت على حد سواء!!  .. ولقد اكتسب هولاء الرجال شبابهم الخالد ، فى قصة التاريخ ، وها نحن نتابعهم اليوم فيما يلى :

الثلاثة الفتية وسبب ظهورهم

لسنا بحاجة إلى تكرار ما أشرنا إليه فى الحديث عن دانيال - ونحن نتحدث عن شخصيته - إذ أنه الفتى الأول إلى جانب هؤلاء الثلاثة فى المسرحية التى ظهرت على أرض بابل عندما سار هذا الفوج الأول من المسبيين إلى السبى ، وعلى الأغلب ما بين عامى 605 و 604 ق.م. ، وكان الغلمان الأربعة فى سن واحدة قدرها البعض بخمسة عشر عاماً ، وقدرها آخرون بسبعة عشر عاماً ، فإذا كان الأمر كذلك ، وعلى ما تتجه إليه الترجمة السبعينية ، أن أتون النار حدث فى العام الثامن عشر من حكم نبوخذ ناصر عندما صنع الملك البابلى تمثال الذهب تخليداً لانتصاراته العظيمة ، وتمجيداً لآلهته « بيل » ، فإن الفتيان الثلاثة يكونون قد واجهوا التجربة بعد سماعهم بخراب أورشليم ومجئ الفوج الكبير اللاحق لهذا الخراب من المسبيين أى حوالى عام 685 ق.م. ، أو بعد الخامسة والثلاثين من أعمارهم ، فى سن الرجولة الواعية الكاملة ، وقد أخذ إلى السبى الملكان يهوياكين وصدقيا ، وكان إرميا فى أورشليم ، ودانيال فى بابل ، ويبدو أنه كان غائباً فى مهمة ما عن المدينة !!  ..

ولعله من اللازم أن نشير إلى أن إرميا كان قد تنبأ بأن مدة السبى ستكون سبعين عاماً ، وقد حذر الشعب من الإصغاء إلى الأنبياء العرافين المدعين كذباً الذين دأبوا على خداعهم بأن اللّه سيرجعهم سريعاً إلى بلادهم ، وطلب إليهم أن يبنوا بيوتاً ويغرسوا جنات ، ويتزوجوا ، ويصلوا لأجل البلاد التى هم فيها لأن وقتاً متسعاً لهذه كلها ، لابد أن ينقضى قبل رجوعهم .. كان الكثيرون من المسبيين ينظرون  إلى السبى كشر مطلق سمح به اللّه الذى تركهم ونسيهم ، ولكن الحقيقة كانت على عكس ذلك ، إذ أنه سباهم لأنه يفكر فيهم ويحبهم ويقصد لهم آخرة فياضة بالسلام والرجاء : « لأنه هكذا قال الرب . إنى عند تمام سبعين سنة لبابل أتعهدكم وأقيم لكم كلامى الصالح بردكم إلى هذا الموضوع لأنى عرفت الأفكار التى أنا مفتكر بها عنكم يقول الرب ، أفكار سلام لا شر لأعطيكم آخرة ورجاء ، فتدعوننى وتذهبون وتصلون إليّ فأسمع لكم. وتطلبوننى فتجدوننى إذ تطلبوننى بكل قلبكم ، فأوجد لكم يقول الرب وأرد سبيكم وأجمعكم من كل الأمم ومن كل المواضع التى طردتكم إليها يقول الرب ، وأردكم إلى الموضع الذى سبيتكـم منـه » " إر 29 : 10 - 14 " .

على أنه من الواجب مع ذلك ، أن نتعرف على حياة المسبيين وشعورهم العميق فى السبى ، ولسنا نظن أن هناك مزموراً حزيناً يضارع فى حزنه ، المزمور المائة والسابع والثلاثين ، ومع أن كاتبه مجهول ( ويعتقد البعض أنه من سبط لاوى ) .. ومع أننا لا نستطيع أن نقبل بحال ما روح العنف والقسوة التى كانت سمة العهد القديم فى الانتقام ، والتى جاءت فى ختام المزمور :

«أذكر يارب لبنى أدوم يوم أورشليم القائلين هدوا هدوا حتى إلى أساسها  يابنت بابل المخربة طوبى لمن يجازيك جزاءك الذى جازيتنا طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة » ... إلا أننا مع ذلك ندرك إحساس المسبيين ، والعواطف الوحشية التى تتملك الأسير وهو يرى رد فعل المعاناة التى  عاناها ، واشتدت عليه ، ... غير أن روح االمسيح يمنعنا الآن من مثل هذا الأسلوب ، وقد صلى هو لصالبيه من فوق الصليب ، مرتفعاً فوق الحقد والضغينة باسمى لغة سمعها الإنسان على الأرض : «إغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون » " لو 23 :  34 ".

وفى الوقت عينه ، من اللازم  أن نتحسس مشاعر الفتية الثلاثة من هذا المزمور ، ... لقد كانوا على ولاية بابل ، وعندما بلغهم خراب مدينتهم علقوا أعوادهم على الصفصاف ، ولم تنقطع الدموع من عيونهم !! ... ومع أن بابل كانت أجمل مدينة فى الدنيا فى ذلك التاريخ ، كانت مدينة الحدائق المعلقة التى جمعت أبهج ما يمكن أن تمتلئ به العين ، وكانت المدينة الممتلئة بالأنهار والغدر ان تتدفق منها الحياة تدفقاً ، وأشجار الصفصاف ترتفع عالية شامخة ترسل ظلالها البعيدة هنا وهناك ، لكن جمال المدينة نفسه ، كان عذاباً لمشاعرهم وعواطفهم ، كلما ذكروا بلادهم الخربة التعسة التى أضحت أطلالا وأنقاضاً !!  ... لقد كانت بابل قفصاً من ذهب ، طلب إلى الطائر السجين أن يغرد ويرفع صوته وهو داخله بالأغنية والطرب !! ..

ولم تكن المأساة أن يمتنع الطائر الأسير المهاجر عن الغناء ، ... بل طلب إليه أن يغنى أغنية لإله غريب ، وهنا الطامة الكبرى ، بل هنا البلاء الذى لا يعد له بلاء آخر ، لقد كان على الثلاثة الفتية ، أن يستبدلوا أعوادهم بأعواد أخرى ، ومزاميرهم بمزامير أخرى ، ويهللوا فى وقت نكبتهم ، بالترنيم لإله غريب !! ..

صنع نبوخذ ناصر تمثالا عظيما من ذهب ، تصوره البعض ذهباً خالصاً ، وتصوره آخرون خشباً مغشى كله بالذهب ، وارتفاعه ستون ذراعاً أو ما يقرب من ثلاثين متراً ، وعرضه ستة أذرع أو ما يقرب من ثلاثة أمتار ، وقد ظن البعض أنه تمثال نبوخذ ناصر نفسه ، والأرجح أنه تمثال لآلهته ، وقد دعى لتدشين التمثال القادة والرؤساء وحكام الولايات ، فاجتمع جمع غفير من كل القبائل والأمم والألسنة ، وكان لابد أن يكون الثلاثة الفتية الموكلون على أعمال ولاية بابل ، بين الحاضرين !!  .. ومن الواضح أن دانيال لم يكن بالمدينة ، وإلا لكان القائد أو رجل الطليعة .. وكان على زملائه الآخرين أن يواجهوا الامتحان هذه المرة بمفردهم ، ... وواجهوه على النحو العظيم الذى أثار التاريخ بأكمله !! .

 الثلاثة فتية والشكوى ضدهم

عند سماع الموسيقى لامست جميع الرؤوس الأرض ، إلا ثلاثة رؤوس لم تنحن للتمثال لأنها لا يمكن أن تنحنى إلا للّه وحده ، وسارع الكلدانيون بالشكوى لنبوخذ ناصر ، ولعل هناك أكثر من سبب لهذه الشكوى  ، بل لعل بعضها يختفى وراء البعض الآخر ، ومع أنها قد تكون الأسباب الحقيقية ،  لكنها مع ذلك تلبس مسوح غيرها من الأسباب ، ... ولو أننا حاولنا أن نحلل أسباب الشكوى لرأيناها أولا غيظ الرأس المنحنى من الرأس الذى لا يعرف  الانحناء لبشر ، والناس دائماً يبحثون عن الرؤوس المتساوية ولا يقبلون رأساً يرتفع فوق رؤوسهم ليكشف ضعفهم ونقصهم وهزالهم وهزيمتهم ، .. ولو أننا بحثنا الصراعات القاسية فى كل العصور والأجيال ، لرأينا الكثير منها لا يزيد عن تناطح الرؤوس ، وتصارع الرياسات ، وتقاتل المناصب ، ... وما من شك بأن الحسد لعب دوره العظيم فى هذا المجال ، فالثلاثة الفتية ليسوا كلدانيين وأعمال ولاية بابل بين أيديهم ، هم غرباء أجانب ، لم يكتفوا بأن يزاحموا الوطنيين فى مراكزهم ، بل أكثر من ذلك يرأسونهم ويسودون عليهم ، ... فإذا أضفنا إلى ذلك أنهم عقبة كأداء فى طريق الفساد والرشوة والانتهازية والوصولية التى عاشوا عليها ، أو يحلمون باستغلالها ، والكسب الحرام من ورائها  ، ... تبين لنا مدى االحنق والغيظ ، وانتهاز الفرص للاضرار بهم والإيقاع بأشخاصهم ، والأمل فى إسقاطهم من الحياة العالية المرتفعة التى وصلوا إليها !!  ... ومن المتصور أيضاً أن هذا كله استتر وراء الغيرة على الدين ، فمن هم هؤلاء الذين يجرؤون على رفع رؤوسهم تجاه « بيل » معبود نبوخذ ناصر ومعبودهم ؟!  .. وأنهم ينبغى أن يكونوا أوفياء أمناء تجاه آلهتهم العظيمة التى ينبغى أن ترتفع على كل الآلهة التى يتعبد الناس لها فى الأرض !!  .. كانت شكوى الكدانيين على الثلاثة الفتية خليطاً من البواعث الدفينة والظاهرة ، التى تمتزج فى حياة الناس ، وتكون حقدهم  وتعصبهم وضغينتهم وانتقامهم دروا بها أو لم يدروا على حد سواء !!  ..

الثلاثة الفتية وولاؤهم للّه

كان ولاء الثلاثة الفتية للّه نموذجاً من أروع نماذج الولاء فى كل العصور ويخيل إلى أن هناك علاقة بين أسمائهم العبرية ، وهذا الولاء ، ويمكن أن نأخذ صورة منها ، فاسم أحدهم « ميشائيل » ... أو « من مثل اللّه !! ؟ أو من هو الإله الذى يمكن أن يكون نداً ومثيلا للّه !!؟  لا أحد !!  ... وهيهات أن يكون له مثيل بين الآلهة أو تماثيلها وأنصابها أيضاً !! .. فليصنع نبوخذ ناصر تمثالا لبيل ، وليطلق على ميشائيل اسم ميشخ أو من هو مثل « آخ » معبود القمر ، ... فهذا أمر لا يقبله ميشائيل ، حتى ولو تحول أشلاء تذروها الرياح ، فمن مثل اللّه عنده ؟!!  .. ومن فى السماء أو الأرض يدانى اللّه أو يقاربه ؟..!! ألم يغن موسى فى بركته التليدة : « ليس مثل اللّه يايشورون. يركب السماء في معونتك والغمام فى عظمته . الإله القديم ملجأ والأذرع الأبدية من تحت » " تث 33 : 26 و 27 " ... وألم يقل إشعياء : « فبمن تشبهوننى فأساويه يقول القدوس » " إش 40 : 25 " بمن تشبهوننى وتسووننى وتمثلوننى لنتشابه " " إش 46 : 5  " .. وألم يهتف ميخا : « من هو إله مثلك غافر الإثم ، وصافح عن الذنب لبقية ميراثه ، » " ميخا 7 :  18 " ... وقد كان ممتنعاً على الإسرائيلى لهذا السبب أن يحاول تصوير اللّه فى أية صورة أو نصب أو تمثال يتقرب به إليه ، ومن ثم جاءت الوصية : لا تصنع لك تمثالا منحوتاً ولا صورة ما مما فى السماء من فوق ، وما فى الأرض من تحت ، وما فى الماء من تحت الأرض ، لا تسجد لهن ولا تعبدهن ، لأنى أنا الرب  إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء فى الأبناء فى الجيل الثالث والرابع من مبغضى » "خر 20 : 4 و 5 " ... والعبرانى بهذا المعنى لا يقبل أن يرى آلهة بجانب اللّّه ، أو تمثالا أو صورة يتقرب بها إليه ، مهما بلغت ذروة الفن أو الجمال ، ... لأنها - فى أفضل الحالات - ليست إلا مسخاً لجلاله الفائق الحدود !!  ... فإذا أضفنا اسم «حنانيا » إلى اسم ميشائيل ، نعرف سبباً آخر للولاء للّه ، فنحن لا نعظم اللّه   لمجرد أن عظمته لا تحاكيها أو تدانيها أية عظمة أخرى ، وهو أعلى من السموات التى ليست بطاهرة أمام عينيه وإلى ملائكته ينسب حماقه !!  ... إن السبب الثانى للولاء هو حنوه ومحبته وجوده وإحسانه ، إذ أنه اللّه الحنان المشفق الرحيم الجواد ، الذى يمطر علينا بالإحسان والعطف والمحبة والرأفة !!  .. لقد أدرك الثلاثة الفتية حنان إلههم فى قلب الأسر والسبى والمتاعب والالام ، فهو لم يكتف أن يجنبهم أهوال الاستعباد التى كان يمكن أن تطحنهم طحناً ، كعبيد أسروا فى الغزو والحرب ، بل رفعهم وعظمهم وجعلهم سادة على مستعبديهم ، وقادة فى ولاية بابل ، ... فإذا جئنا إلى عزريا أو « اللّه يعين » أدركنا أن اللّه لم يتخل عن شعبه فى وقت المأساة والضيق ، بل كان على العكس ، أقرب ما يكون إليهم ، وهم لا يدرون ، ... : « وقالت صهيون قد تركنى الرب وسيدى نسينى . هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها ؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك . هوذا على كفى نقشتك . أسوارك أمامى دائما » .. " إش 49 : 14 - 16 "

ولست أظن أن الولاء المسيحى للّه يعرف أسباباً أفضل من عظمة اللّه ، وحنوه ، وعنايته التى ظهرت فى شخص يسوع المسيح مخلصنا ، وعندما أوقد الشيطان أتونه العظيم ضد الكنيسة ، وأثار عليها أرهب وأشنع صور الاضطهاد عادت مرة أخرى بطولة ميشائيل وحنانيا وعزريا فى آلاف الآلاف الذين غنوا فى قلب الأتون المحمى سبعة أضعاف وصار ناراً مشتعلة بحبهم العظيم للّه فى يسوع المسيح الرب والمخلص!! .

فإذا تحولنا من سر الولاء إلى مظهره ، رأيناه أولا فى الشجاعة الخارقة ، وهل يمكن أن يعرف العالم شجاعة أعلى وأسمى من شجاعة الشهيد الذى تبدو الصورة الأولى لشجاعته فى انتصاره على نفسه ، قبل أن ينتصر على إنسان أو مخلوق آخر ؟!، وعندما ينتصر الإنسان على نفسه فإن ألف نبوخذ ناصر لا يستطيعون أن يفعلوا معه شيئاً . عندما هدد الإمبراطور يوحنا فم الذهب ، قائلا إنه يستطيع أن يفعل ضده الكثير ، قال له القديس القديم ، : إنه أعجز من أن يفعل معه شيئاً ، وإذ قال هل : أنفيك... قال الذهبى الفم : إن أى مكان ترسلنى إليه ، سأجد هناك صديقى الذى لا تستطيع أن تفصلنى عنه ! .. وإذ قال له : آخذ ثروتك أجابه : إنك لا تستطيع ، لأن لى كنزاً فى السماء لا تصل إليه يدك !!  .. وإذ قال له : أقطع عنقك ... كان الجواب :  يوم تفعل ذلك فإنما أنت تحرر الطائر السجين من القفص الذى حبس فيه ... وأدرك الإمبراطور أن إنساناً كهذا لا يمكن قهره على الإطلاق ، .. كان انتصار الفتية الثلاثة ، أولا وقبل كل شئ ، انتصاراً على النفس ، فلم يعد واحد منهم يفكر فى الشباب الذى يترصده الموت على أرهب صورة ، ... ولم يعد واحد منهم يفزع من أجل المنصب الذى يوشك أن يضيع ، ولم تعد الحياة بجملتها ، بما فيها من متعة وجلال ، ومجد أرضى ، تساوى قلامة ظفر ، تجاه مجد اللّه وجلاله وعظمته وخدمته !!  .. ألم يأت بعدهم بمئات السنين من قال : « والآن ها أنا أذهب إلى أورشليم مقيداً بالروح لا أعلم ماذا يصادفنى هناك ، ولكننى لست أحتسب لشئ ولا نفسى ثمينة عندى حتى أتمم بفرح سعيى والخدمة التى أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة اللّه » " أع 20 : 22 - 24 " ؟! ...

عندما انتصر الفتية الثلاثة على أنفسهم ، استطاعوا الانتصار على الامبراطور العظيم الطاغية ، ... ومن العجيب أن ثلاثة عزل من كل سلاح ، يقفون أمام أعظم إمبراطور فى عصره ، الامبراطور الذى دانت له الدنيا ، وقهر الممالك ، وأذل أعناق الرجال ، ... ولعل هذا الامبراطور فى معركته مع الفتية لم تقع عينه قط على من هو أجرأ أو أشجع منهم على الإطلاق ، كيف لا ، وهم ينادونه باسمه دون تملق أو زلفى أو خوف أو فزع أو مداهنة أو رياء ، ومن غير إضافة أى لقب ، ... وفى الواقع ، لا يمكن أن تعرف الدنيا فى كل الأجيال ، جرأة كجرأة الشهيد الذى يخوض معركة الحق من أجل اللّه !! ..

كانت المعركة بين نبوخذ ناصر والفتية ، هى ذات المعركة القديمة ، بين المنظور وغير المنظور ، بين الحق والباطل ، بين الخير والشر ، بين الأمانة والحماقة ، ومن المؤكد أنه لم يكن هناك تكافؤ بين الطرفين ، فحسب النظرة البشرية كانت الكفة أرجح بما لا يقاس نحو رجل يملك قوة الدنيا بأكملها بين يديه ، وبين ثلاثة من الأسرى المنبوذين الذين لا حول لهم ولا قوة وما هم إلا ثلاث من النمل تحت أقدام فيل رهيب ضخم ولكن حسب النظرة الأعمق ، هم المسلحون بقوة رب الجنود إله إسرائيل !! ..

فإذا عدنا ننظر إلى القوة التى يمتلكونها نجدها أشبه بدرجات سلم متصاعدة ، أما الدرجة الأولى التى تمس الأرض فهى أنهم ثلاثة معاً وليسوا واحداً ، ... ومع أن كثيرين من أبطال التاريخ ذهبوا إلى معاركهم منفردين وراء ذاك الذى قال « دست المعصرة وحدى » " إش 63 : 3  " ... لكن المسيح نفسه ، وهو القادر على كل شئ وله فى جثسيمانى أن يحس بوجود تلاميذه معه ، وقال لبطرس وابنى زبدى ، : « أمكثوا هنا واسهروا معى » " مت 26 : 38 " .. « أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معى ساعة واحدة ؟  " مت 26 : 40 "  كان من أقسى ما عانى فى جثسيمانى وحدته تجاه أكبر معركة مرت فى التاريخ ، ... وما أجمل أن يجد الإنسان منا فى لحظات المحن والمتاعب والتجارب والآلام ، من يؤنسه بكلمة أو يبتسم له أو يشجعه أو يعينه بأية صورة من الصور ، ... وقد وجد الفتية الثلاثة هذا التشجيع فى الشركة التى تربطهم فى الإيمان والمصير !! .. عندما وقف  لاتيمار مع صديقه ردلى وقد حكم عليها بالموت حرقاً ... قال لاتيمار لزميله : تشدد  فإننا سنضئ اليوم فى انجلترا كمشعل بنعمة اللّه لن ينطفىء أبداً !! ..

وكانت الدرجة الثانية من السلم يقين الفتية بأنهم يدخلون معركة نبيلة شجاعة من أعظم وأروع المعارك على ظهر هذه الأرض ، وقد سبق فى دراستنا للشخصيات أن أشرنا إلى ما قاله جورج فرند سبرج وهو قائد من أعظم القواد الألمان لمارتن لوثر ، وهو يدخل باب مجمع ورمس لمحاكمته التليدة الرهيبة : « أيها الراهب المسكين ... إنك ذاهب إلى معركة أنبل وأعظم من كل المعارك التى خضتها أنا ، أو أى واحد من القادة ، فإذا كانت قضيتك عادلة فتقدم باسم اللّه » ... وكما تقدم الثلاثة الفتية العظام ، تقدم مارتن لوثر إلى معركة الإصلاح التى لم تغير تاريخ أوربا فحسب ، بل غيرت التاريخ المسيحى كله !! ..

على أن الدرجة العليا فى السلم ، كانت يقين الفتية أنهم لا يدخلون المعركة منفردين،... إذ لم يكن هذا هو الاختبار الأول لهم ، فقد سبقت لهم النجاة من يد الرجل البطاشة ، عندما أعلن اللّه لدانيال على صورة معجزية خارقة للعادة حلم نبوخذ ناصر وتفسيره ، ... إنهم يؤمنون بإله قوى قادر على كل شئ ، وعندما يرون نبوخذ ناصر أمامهم ، فى ضوء اللّه ، يضحى العاتية الجبار أقل من نملة تدب على الأرض ، وهم لذلك يخاطبونه بدون لقبه ، قائلين : « يانبوخذ نصر لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الأمر، هوذا يوجد إلهنا الذى نعبده يستطيع أن ينجينا من  أتون النار المتقدة وأن ينقذنا من يدك أيها الملك ، وإلا فليكن معلوماً لك أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذى نصبته » ... " دا 3 : 17 و 18 " وجند الطاغية كل قواه وسلطته ، فالأتون يحمى سبعة أضاف ، الفتية يقيدون ، وأقوى رجال الحرب يقذفون بهم فى قلب الأتون ، والنار الملتهبة فى شدتها وعنفها تقضى على القاذفين !! ..

 الثلاثة الفتية ونصرهم العظيم

فى معسكرات الاعتقال الشيوعية ،  قبض على جمع من الشباب ، وكانوا عشرين على ما أتذكر ، ودخل الضابط الشيوعى ، وعدهم قائلا أنتم عشرون وقال شاب : لا ، بل نحن واحد وعشرون ، وعد الضابط مرة أخرى ، ... وقال : أنتم عشرون . ورد عليه نفس الشاب : بل واحد وعشرون ، وإذ أعاد العد ، قال : ومن هو الواحد والعشرون !! فأجاب الشاب :  إنه الرب يسوع المسيح !! .. وإذا كان المسيح معنا فى كل وقت ، فإنه أدنى إلينا وألصق بنا ونحن فى الأتون ، ... ومن اللازم أن نشير إلى أن الثلاثة الفتية كانوا يؤمنون بالنصر ، سواء عاشوا أو ماتوا !!  .. فإذا عاشوا فهم شهود قدرته ، وإذا ماتوا فهم أوفياء لمحبته ، ومن المثير أن نبوخذ نصر قذف بهم موثقين ، فإذ به يراهم محلولين يتمشون فى وسط الزتون ، وما بهم ضرر ومعهم رابع شبيه بابن الآلهة ، ... لقد أخطأ الرجل أعمق الخطأ ، سواء فى فهم قيودهم ، أو فى فك هذه القيود ، ... لقد ظن أن يقيدهم بحبال البشر وما درى أن قيدهم الحقيقى هو حب اللّه، الذى يعيشون من أجله ، ويموتون فى سبيله ، ... ولقد ظن أن النار ستأتى عليهم وعلى قيودهم معاً ، وما عرف أو أدرك أنهم أحرار ، يتمتعون بأكمل صور الحرية رغم قيودهم ، أحرار فى ذلك الذى حل قيودهم وفكها ، وسار معهم داخل الأتون الملتهب ، دون أن ينالهم أدنى ضرر ، إذ هو القائل : « فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً » " يو 8 : 36 " ..

ولا حاجة إلى القول إن القصة تتكرر فى كل عصور التاريخ بهذه الصورة أو تلك ، من أتون التجارب ونيران الاضطهاد والمصاعب ، ولكن ابن اللّه يظل هناك على الدوام ، لا يتغير ولا يتبدل ، مهما كانت النتائج  التى تتمخض عنها الأحداث ، وقد اشتعلت النيران طوال ثلاثة قرون فى مطلع التاريخ المسيحى ، وحمى الأتون سبعة أضعاف ، ... ولكن المسيحية خرجت من قلبه ، وجوليان الإمبراطورى يصيح : لقد غلبت أيها الجليلى !!  ... إن الدرس العظيم الذى يعطيه الثلاثة الفتية للعالم ، إلى جانب الولاء المطلق للسيد ، هو اليقين الذى لا يتزعزع فى جوده وحبه ، ... وفى وجوده على صورة خارقة عجيبة تفوق الإدراك والوصف ، وتحير العقول وتذهلها كما تحير نبوخذ نصر وتعجب هو والمرازبة والشحن والولاة ومشيرو الملك وهم يرون « هؤلاء الرجال الذين لم تكن للنار قوة على أجسادهم ، وشعرة من روؤسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم " دا 3 : 27 " !!  ..

هل لنا مثل هذا الإيمان ، مهما تغيرت  أو تلونت ظروف الحياة ... ومهما أحاطت بنا الصعاب والمتاعب ؟!!  .. تحدث هنرى ورد بيتشر عن أبيه ، وكان خادماً للّه ، وقد مرت به ظروف قاسية صحية ومادية فى كثير من الأوقات ، قال الابن : لا أنسى أننا كنا نتناول الشاى فى المطبخ ، وإذا بأمى تقول لزوجها ، وكانت هادئة وديعة ، ... لا أعلم كيف نواجه المصروفات والفواتير ، وهى تخشى أن تموت فى بيت من بيوت العجزة المسنين ، ... وأجاب الزوج قائلا : ياعزيزتى : لقد وثقت باللّه طوال أربعين عاماً خلت ، ولم يخذلنى قط طوال هذه السنين ، ... وأنا لست مستعداً بعد أن أبدأ الآن بعدم الثقة فيه !! .. وقال بيتشر الابن : لقد أيقظتنى هذه العبارة  ، وكانت لى أفضل قانون للإيمان ، ... لقد اجتزت فى بكور أيامى بين  المرض والفقر وألوان المتاعب والضيقات ، دون أن تغيب عن ناظرى ، أو يتباعد رنينها عن أذنى : « لقد وثقت باللّه أربعين عاماً ، ولست مستعداً بعد أن أبدأ الآن بعدم الثقة فيه » !! ..

إنحنى نبوخذ نصر ، إنحنى الملك العظيم أمام ملك الملوك ورب الأرباب ، وسجل أمام اللّه والتاريخ فى مواجهة الأتون : « تبارك إله شدرخ وميشخ وعبد نغو ، الذى أرسل ملاكه وأنقذ عبيده الذين اتكلوا عليه وغيروا كلمة  الملك وأسلموا أجسادهم لكيلا يعبدوا أو يسجدوا لإله غير إلههم .  فمتى قد صدر أمر بأن كل شعب وأمة ولسان يتكلمون بالسوء على إله شدرخ وميشخ وعبد نغو فإنهم يصيرون إرباً إباًً وتجعل بيوتهم مزبلة إذ ليس إله آخر  يستطيع أن ينجى هكذا .. حينئذ قدم الملك شدوخ وميشخ وعبد نغو فى ولاية بابل »  "  دا  3 :  28 - 30 " ..

نعم ، وليكن اسمه مباركاً إلى أبد الآبدين آمين فآمين !! ...

هل لديك سؤال عن الإيمان المسيحي؟ نحن مستعدون لاجابتك. راسلنا